المقطع العاشر
رواية ( الياقوتة السوداء )
موسى غافل الشطري
مرت الأعوام لينشأ عبرها شمران و قريبه بدر نشأة واحدة كأنهما شقيقان . حتى كادا ألا يفترقا ، إلاّ عندما ينصرفان للهجوع .
و قد اعتادا أن يسافرا للمدينة بصحبة الأصحاب ، فيرتديان حلّتين متقاربتين بلونيهما و عباءة من نوع واحد . يجلسان جنباً إلى جنب .كأنهما مسحوران ببعض . يأكلان أكلتهما المفضلة . يتناولان لقمتيهما بترتيب واحد . و كانت ابتسامة المودة جليّة على محيّاهما ، ثم سرعان ما يضحكان دون سبب .
و لم يختلفا برأي حتى لو كان ليس بذي أهمية . و في جلستيهما مع الجميع ، كان (بدر ) يكاد أن يجهر برعايته لصديقه و قريبه ، رغم أنه لا يتقدمه عمراً.
من ثَمَّ توجها إلى المقهي فجلس بدر و شمران متقابلين و ارتشفا مع الجميع الشاي . و من الحاكي انطلقت اغنية :
عمي يبياع الورد كلي الورد بيش كلي
عالورد ليش ادوس يبا بي ريحة طيبة
* * *
ثم ختما جولتهما بالأسواق . دون أن يخفيا انبهارهما بعلو المنارة التي يؤذّن من فوقها المؤذن . و يعجب البعض ، كيف يتأتى له الصعود إلى هذا الارتفاع الشاهق ؟
وفي تجوالهما بين أزقة السوق تأتَّى لهما أن يبتاعا المناديل (باشكير ) و العطر و غيره ، و طالما اصطدمت أكتافهما بأجساد بنات المدينة المحجبات . حيث كان باستطاعتهما أن يلمحا على عجل سواد العين التي تطل من فتحة صغيرة في العباءة . عندما يكون الوقت قد مالت شمسه للركون عند المساء ، عندها يعزم شمران و بدر و مَنْ يرافقهما على العودة إلى القرية ، يكون بدر قد عاد و معه حاجيات تجلب الغبطة لشقيقته ( بدرية ) .من ثوب ( كشمير) بزهور زاهية الألوان . و قد اكتمل خياطه . و شال مّنمنم و عطر ، و معاضد ، و حلويات.
* * *
ما أن يصل بدر إلى داره حتى يجد بدرية بانتظار عودته . كانت تبدو كما لو أنه انقطع عنها منذ زمن بعيد ، و أن الشوق قد أضنى قلبها . و إنها ما عادت إلاّ أن يرتسم على محياها طيف من القلق . كانت تبدو كما لو كانت مزمعة على رحيل مجهول . و عندما يفاجئها بما اقتناه من أجلها حتى تحتضنه و تذرف دموعاً سخية . فهذه الأشياء تجعلها تطير فرحاً فتغمره السعادة حينما يشاهد ابتسامتها العذبة و قد ارتسمت على وجهها بالكامل . و كانت عيناها الساحرتان ينمّان عن فرح غامر .
ـ هَمْ اشتريت لي ؟ وين آنا طالعة حتى تشتري لي هاذي الحاجات ؟
فيضحك و يتساءل :
ـ ليش خويَ بدرية . ليش ؟ مو أنا أريد اتْفرحين و ابذل اْلذي عندي و اْلذي ما عندي حتى تفرحين . ليش خُويَ؟
* * *
لم يكن هناك تعلقاً أبداه أي أخٍ بشقيقته كحالهما . كأنهما خلقا على أن لا يفترقا . فيظل بدر يتملّى فيها ، كيف تبدو ملامح وجهها الذي يكاد أن تلوح دماؤه واضحة ريّانة . في حين تبتسم حتى تكاد أن تلوح ثناياها وما بعدهما .
( بدرية ) هي التي اعتنت بأخيها مذ كان صغيراً، حينما فقدا والدتهما . كان بدر، عندما يعود منهكا من لهو الليل ، يلجأ إلى حضن بدرية ، فيتوسد ذراعها و يحتضن أحدهما الآخر بكل لهفة . و في قسوة البرد، يلوذ بذلك الدفء الجميل الذي يغدق به جسدها. فيضع خده على جهة قلبها ، و يراقب باهتمام تلك الضربات المسرعة . كان هذا ديدنه في كل ليلة . فتطربه ضربات قلبها كأنها تستدعيه أن يأنس بوضع يده اليمنى تحت خده فوق قلبها مباشرة. ثم لا تجد بدرية بداً إلا و أن تتناول تلك اليد و تقبلها بكل شوق . و تظل تتلمسها . كأنها تستكين لراحة لا توصف مما تجزل عليها فيه . فتلثمها مرة ثانية و ثالثة و رابعة. ووسط حسرة تنبعث من أعماقها ، كأنها حبلى بالحزن لتقول ( فدوه يْروح كلب اختك لهذا الكَفّْ الحلو ) .
و ينغمران بنوم عميق جنباً إلى جنب . و قلب يقترب من قلب. خلل جسدين متعانقين ، كأنهما أمام ما يُخشى فيسبب لهما افتراقاً أبدياً .
* * *
كلما تمعن بدر بجمال أُخته تدفقت مشاعر غامضة من الفرح الغامر، نحو تلك الملامح التي لم تحظ فيه ابنة ريف على الإطلاق . و كان أشد ما يخشاه أن يتزوجا و يبتعدان عن بعضهما . و هذا ما يحزنه .
إنه يريدها نديمة له على طول العمر . يريد قلبها صندوقاً مغلقاً لأسراره . يود أن يفتحه و يرى ما بداخله . لكنه يود أن يتركها حرة في الحفاظ على مكنون صدرها .
* * *
كان من المألوف. أن الشمس اللاهبة، التي لا تصمد أمامها (باريات) الأكواخ فتتسلل إلى الداخل . و ينغمر بنورها كل ملاذ . و كل ثنايا القرية و حقولها . فتترك بَصْمَتِها على كل الوجوه، إلاّ وجه بدرية . فلم يفلح وهج الشمس اللاّهب ، أن يترك أثره على جبهتها ولا على الوجنتين . ولا على العينين الحالمتين اللتين: كأن مسحة حزن كامنة في عمقيهما أبت إلاّ أن تقترن بجفنيهما .
كانت نظراتها الناعسة و قد خالطهما مسحة حزن شفيف ، موحيتين إلى قلب أخيها بحنان متدفق يشوبه القلق المبهم .
كل شيء.. يحسسه بقصور يأبى أن يكون ناطقاً بخفاياه ، فيجزل لها بما ينسِّم من نسيم على شغاف قلبه من حنان متدفق لها . هو أشبه بدَيْن بات هو رهينته و لا يكاد يوفيه .
كان هو سليل روحها. و قلبها ملاذه الأمين . و كان والدها يبيح لولده الوحيد . أن يتمتع بفورة شبابه . فولده كما يريد أن يكون : و كأنه لم يخلق للحقل و لا للماشية . و يظل الأب يرتبط بالأرض مع ابنته. كما لو كان نبتة نشأت هنا و ستبقى . و لم يبد الأب أي اهتمام ذي شأن بسلوك قريبه الشيخ حرب . و كانت بدرية : كأنها تأبى أن تغادر حقلهم . و كانت تتلفّع بنقاب لتلافي وهج الشمس . و تلف أطرافها ، لكي تبقى ناصعة البياض .
يتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق