المقطع الثاني عشر
رواية ( الياقوتة السوداء )
موسى غافل الشطري
في تعامل شِمْران مع الآخرين عندما بلغ سن الشباب ، عادة ما كان يبذل جهداً مضنياً لكي يتخذ مسار أخيه (حرب) في الهيمنة و فرض مظهر القوة ضد الفلاحين و مضايقتهم ، و حرمان ماشيتهم بالاقتراب من الزرع ، وعند عقابه لأحدهم فإنه يعاقب دون الحاجة إلى النطق بكلمة .
بيد أن مثل هذا الأمر ، في آخر المطاف ، يوجع ضميره و يجعله نادماً على ما يمارس من قسوة على أحد . إنه دائما ما يرى نفسه بين نقيضين : بين أن يبرر قسوته لأسباب توجبها زعامة العشيرة عند غياب أخيه ، و بين أن يدينها لأنه أساسا ً يستهجن القسوة.
و في البداية واجهت شمران مواقف عسيرة . كان قريبه بدر يخفف من وطأتها عليه . إذ بدل حالة الاضطهاد و السطوة المفروضة عليه من قبل أخيه الذي يُقْحَمه بواجب إشغال موقعه في الديوان دون مقدمات . دون إعطائه الحق أن يتبادل معه ولو كلمة. حتى و إن كان رأياً واحداً، يعزز إقدامه على لعب دور أخيه. وعليه أن يؤدي دوره بنفس القدرة و العنف . غير أن ذلك يصعب عليه بممارسة الكلام و التوجيه وحسم موقف ما ، حيث يشترط أن يتواجد في المضيف لكي يتدرب على أن يحل محل أخيه عند غيابه ، غير أنه يميل إلى الصمت ولا يشترك بحديث أكثر من هز رأسه أو قول كلمة نعم أولا . رغم أنه ظل يحاول باستمرار أن يتلافى ظاهرة التـأتــأة التي تربكه في الكلام في معظم الأحيان .
عدا ذلك .. فهو يتمتع بمؤهلات ، منها ما يلوح على محياه من نضارة و من بهاء طلعة وحسن هندام . و في تقدم الأعوام ظل يعاني اضطراباً في حياته العاطفية. إذ طالما صادفته مناسبات محرجة . لكنه يفشل في حلًها لصالحه . و في الغالب : كان يود أن تكون له علاقات عاطفية ، و ينبغي أن تتسم بالبراءة ، وأن تتحلّى الفتاة التي تُقَدِّم نفسها إليه بالحياء و الطيبة والبراءة ، واقتصار علاقتها عليه دون سواه . وربما يلوح ذلك كما لو أنه لم يكن موقفاً جاداً من قبله . إنما كان جراء الخجل المتطرف . و كان هذا الموقف المضطرب يمزقه ، و يظل يعاني من المراجعات المستمرة لكل فعل يقوم به ، ُثم يظل يؤنبه ضميره على ما فعل .
وقد تكون هذه الحالة نشأت لديه جرّاء ممارسات أخيه غير الحميدة ، حيث رصده في سوء تصرف مع فتاة ريفية ، كـــان شمران يميل في عواطفه نحـوها . و تمعن في ابتذال سلوك أخيه معها . فظل يعتقد : أن هذه الظاهرة التي صادفها، هي سلوكية متّبعة عند أخيه .
وقد شانَ عليه أن يشاهد ما يفعله ذلك الأخ الذي يقدسه و يتمنى أن يتبع خطاه و سلوكه . و لم يبح حتى لبدر قريبه العزيز بما شاهد. غير أنـه لا يعلم إن كان ما يمارسه أخوه معروفا في القرية كما عليه الحال في دار العائـلة أم لا .
فما شاهد ، كان محض صدفة ، وقد تقزز مما رآه . وبقي يلازَمَهُ إحساسٌ بضآلة النقاء في العلاقات التي يشاهدها مع النساء . و في أحيان كثيرة كانت طالما يصادف ان تقف فتاة قروية أمامه بابتسامة مغرية . لكنه لا يبدي اهتماماً.
فتيات كثر ، لكن شمران لم تغره أي منهن . لذا تعمّق لديه شعورٌ بعدم جدارة أية فتاة بحبه من فتيات القرية .
ولم تؤثر هــــــــذه الانطباعات على عنايته بنفسه .. إنما ظل يبذل أقصى ما يستطيع لكي يكون بهياً أنيقاً رشيقاً جميل الابتسامة ، أقرب إلى أبناء المدينة من حيث التَرَفْ و الاهتمام بمظهره . وربما كان هذا الموقف يزيح من دواخله ما علق فيها من اضطرابات متصارعة . غير أنه لا ينفرد بعنايته بنفسه . إنما كان يبدي رغبة لا تنثني : هي أن يكون (بدر) قرينه بأناقته .
* * *
في كل مناسبة سَعيدة ، أيام الأعياد ، وفي الليل الذي يسبقه يتهيأ الصغار و الكبار، بتجميل أنفسهم بما يتوفر لديهم . مثل استباق عيد نوروز ( الدخول ) (13) وحيث يحل المساء، تكون القرى قد تهيّأت لاستقبال هذه المناسبة الربيعية. فيُعلّق قطاف من الزرع في سقوف الأكواخ بين حنايا القصب، ليبقى عبر مدار السنة. و تشارك القرى و المدن بشراء الحِنّاء المطحون ، مُدافاً بمسحوق حبيبات (المَحَلَبْ و القرنفل) (14) لإعطاء رائحة زكية يُضمّخ به شعر الرأس للنسوة والفتيات. ويشارك الشباب مع النساء و الأطفال ، كل بالطريقة المناسبة لوضع كمية من الحنّاء المخمّر وإطباق الكفين وشدّه حتى الصباح، ليترك جمال صبغته الحمراء الغامقة التي تميل بلونها إلى البني ،كما تُضَمِّخْ النسوة والفتيات أكفهن وأقدامهن أيضا بعد جليهن من الأوساخ .
و يتجمع الفتية و الفتيات ، ويذهبون و بمعيتهم الدفوف والطبول و المزامير و الذين يحسنون الغناء لزيارة ضريح العلوي سيد محمد و هناك تتم ممارسة مراسيم الزيارة وهم يرفلون بأحسن ما يملكون من ملابس . جالبين معهم البيض المسلوق بقشره مع سرجين البقر لينطلي باللون الأخضر .أو طبخه مع ( النشره ) (15) لكي يكون لون البيضة أحمر غامق، ويتنافسون بضرب بيضة بأخرى : فالذي يكسر بيضة منافٍسِهِ يأخذها له .أو يتسابقون جرياً ، أو ألعاب أُخرى . أشياء كثيرة من هذا القبيل وغيره يمارسونها في مثل هذه المناسبة . كالأعراس التي تتوالى بالأخص للشيخ ( حرب ) حيث تجري مباراة سباق الخيل . في مفازة شاسعة لم تستغل للزراعة.
وفي الساحات الخضراء يتجمع الشباب و الشابات للعزف على المزمار يصاحبه الغناء الجماعي . في حين تدخل أجمل فتاة قروية لتؤدي الرقص ، بطريقة محتشمة داخل حلقة دائرية من المتفرجين و المصفقين . و يتفاعل الجميع مع هذه المناسبة . و يبيح ذلك في تلك المناسبة من قبل الأهل دون أن تحاسب الفتاة عما تؤديه من رقص .
يتبع
* * *

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق