الكيسُ الماطرْ بقلم الأستاذ وليد العايش

. . هناك تعليق واحد:

_ الكيسُ الماطرْ _ 

________


انسكبَ كأسُ الشاي فجأةً من بين يديّ المرأة العجوز ، حركةٌ اهتزازيةٌ ضعيفة كانت كافية لكي تُحدِثَ جلجلة في قعرِ الغرفة ... 

البيتُ يقبعُ على طرفِ القرية الجنوبي ، يبدو للتوّ بأنّه يتيماً ، لكنّ المساء يُعلنُ وجود أشقاء له لا يبعدون كثيراً ، تُحيطُ بهِ ثُلّة من أشجار المُشمش والدراق والكرز ، وخلفها ترنو شجيرات السرو بشكلٍ متناسقٍ كخصرِ امرأةٍ لم تبلُغَ الأربعينَ بعد ، التلّةُ القريبةُ تُطِلُّ برأسها غير آبهة بما يجري داخل النهر المجاور ، حتى طيور السنونو تأتي إليها كل مساء ، فتحتسي بعض النور ثُمّ تمضي . 

- ما بالك يا امرأة ... علامَ تنظرين ...

- انظر إلى هناك يا رجل ... وكأنّ شبح ما يلوحُ خلف التلّة ...

- يالكِ من امرأةٍ عجوز ... يبدو بأنّ العمر بدأ يأخذ منك ما تبقى (.....) قهقه الرجلُ ساخراً , صمتت المرأة قليلاً ، لكنها كانت تعاند سخونة كبيرة في داخلها ، الرجل الثمانيني يُشعِلُ سيجارةً من علبةٍ نحاسية ، يراقب الدٌخان المتصاعد صوبَ سقف غرفةٍ أكلتها السنون ، هو الآخر آثرَ الصمت ، وما لبِثَ أن خرجَ على عجل ... 

- انظر يا بني ... انظر ... ألا ترى شيئاً ما عند التلّة !!! ...  

- دعيني أرى من شرفة المنزل يا أماهُ ... فرُبّما كانت هناك الرؤيا أكثرَ وضوحاً ...

أمعن الفتى العشريني النظرَ إلى المكان الذي أشارت إليهِ الأمّ العجوز ، نيرانُ المساء تُطلقُ ألسنةَ لهيبها فَتضفي غشاوةً على المشهد ، سِرْبُ الطيور يمرُّ من أمام البيت ، مداعباتٌ تدورُ على مُقربةٍ منه . 

- حتى الطيور تعرِفُ معنى اللهو و (...) ، ورُبّما الحبُّ أيضاً ... قال الفتى لنفسهِ .

دقائقُ تمضي وهو مازال على ضفافِ الشُرفة ، لمعتْ عيناهُ للحظةٍ ، اِنقلبَ إلى الداخل ... 

- نعم ... نعم يا أمي ... هناك شيء ما ... وكأنّه رجلٌ يحملُ كيساً ... 

- ماذا عساه يفعلُ هنا في هذا الوقت ذلك الرجل يا بني ...

- لا أدري ... لكني سأذهبُ وأرى ... 

- لا ... لا تذهب فالليل بدأ يحطّ رحاله ، أخشى عليك منه ...

- لا تخافي يا أمي ... سأصطحبُ البندقية معي ... 

عندما تفوّه بآخر كلمةٍ كانت قدماه قد أمستا خارجاً ، بينما الأبُ كان يُشعلُ سيجارة أخرى من علبته الصدئة ( ويبتسمُ ) ، نظر إلى ابنه وهو يُغادر البيت ، لكنّهُ لم ينبس بأيّ حرف ...

الدربُ إلى التلّةِ عبارة عن ( مداسٍ ) يتعرّجُ كأفعى أصابتها الشمسُ بحرارتها عند الظهيرة ، الريحُ تزأرُ أكثرَ , وأكثرْ ، القمرُ لم يظهر في تلك الأمسية ، لعلّهُ يسهرُ في مكانٍ ما قبل أن يعود إلى بيته , أو أن الغيمة العابرة للطريقِ السماوي منعته من التأنق هذا المساء ... 

اقتربَ الفتى من ذلك المكان ، كان يتوارى خلف بعض الأشواك البرّية كي لا يراه الرجل الذي مازالَ شبحاً بنظرهِ ، أصبحتْ المسافة لا تتعدى الأمتار ، الرصاصةُ تقطنُ بيتَ النار ، تُجهّزُ نفسها لوليمة مُبهمة , لم يعد يسمع حتى زفيرهُ ، فقد أنصتَ بحواسهِ الستةْ ...

الغشاوةُ تهجرُ عينَ الفتى ، المشهدُ القريبُ جداً أصبحَ في مُتناوله ، اِسترقَ السمع أكثر ، الرجلُ يُحدِّثُ نفسهُ بكلماتٍ لم يفهمها ، داهمهُ العُطاسُ فجأةً ، لم يكن بمقدوره إخفاء الصوت ، تخلخلتْ جلسةُ الرجل ، نظرَ حولهُ ، عرف بأنّ هُناكَ مَنْ يُراقبهُ , ويراه ، دَسَّ شيئاً ما في الكيس ، ربطهُ بسرعةٍ ثُمّ رماه نحو كومة شوكٍ , وولى هارباً ... 

كانَ الكيسُ ساخناً جداً ، ينبعثُ منهُ أنينٌ خافت ، حملهُ الفتى وعادَ مُهرولاً نحو البيت , نظراتُ الأب لم تفارقه للحظة , بينما الأمّ العجوز تبتهلُ في سرّها . 

على ثغرِ الشُرفة الخشبية كان الرجلُ وزوجته ( العجوز ) كما اسماها قبل قليلٍ يُراقبان , وينتظران ...

رمى إليهما بالكيس ، لهاثهُ يُسابِقُ الريح العابثة بأوراقِ الشجر ، فتحَ الرجلُ المُسنُّ (العجوز) الكيس ، السكون يخيُّم على الجميع ، البرقُ ينيرُ المكانَ , ويختفي ، السماءُ ليستْ صافيةً كالعادة , نظرَ الرجلُ إلى امرأتهِ ، تحدٍّ من نوعٍ آخرَ بينَ النظرات المُتبادلةْ ... تحركت شفتاه الغليظتان تحت وطأة             التحدي ... 

- سوفَ تُمطِرُ يا امرأة ... سوفَ تُمطرْ ... 

________

وليد.ع.العايش

19/3/2019م

هناك تعليق واحد:

آخر الأخبار

3efrit blogger


أنا أبنك ياعراق وعاشگك حد الجنون لو تخون الدنيا كلها لا تظن أبنك يخون . أنا عــراقـي

تابعونا على الفيس بوك


مؤسسة السياب الإليكترونية تجمع ثقافي عربي بلا حدود

هل تعلمين .. وأنا أبحثُ عنّي ؟! كنتِ هنا فأكتفيتُ بأنكِ امرأتي التي حلمتُ بها لأرتديها قصيدة وألوّنها بالحروف . منى الصرّاف / العراق

# إبتسم .. الدنيا متسوه - ما إجتمع أربعة رجال بمكان واحد إلا وكانت النار وراء أفعالهم ! وما إجتمعت ثلاثة نساء بمكان آخر إلا وأحرقنّ الرابعة الغائبة ! منى الصرّاف / العراق

مؤسسة السياب للثقافة والآداب

مؤسسة السياب للثقافة والآداب

كل عام والمرأة اينما كانت بالف خير انتم نحن .. بعيدا عن فوضى الهويات .. نسكن الارض نفسها ونتنفس الهواء ذاته انه التعايش الانساني المشترك .. تجاوزنا حاجز الثقافة واللغة واسسنا لغة الجمال .. ( بقليل من الطين وكثير من الحب هكذا تصنع الاوطان ) منى الصرّاف / العراق

من منّا حين عجزت أدواته لم يحلم بفانوس سحريّ أو بساط طائر لتحقيق أمنياته ليصحو بعد ذلك لعيش قسوة الحياة ، كيف باستطاعتنا الدخول في معركة بمفردنا نعرف سلفا سنخرج منها بخسارة كبيرة ، حتى لو امتلكنا الشّجاعة لمطاردة أحلامنا ، فكيف نصل الهدف دون معرفة أدواته ، فللشجاعة أيضا أدواتها ، حين تكون اليد خالية فأحلامنا سرعان ما تذبل ، أمّا البطولة فهي تحدث فقط ! دون التخطيط لها . منى الصرّاف / العراق من رواية ( للعشق جناحان من نار )

روايتي ( بتوقيت بغداد ) وفي اول طرح لها في بغداد بعد مشاركتها في العديد من المعارض الدولية الصادرة عن دار النخبة في جمهورية مصر العربية ومجموعتي القصصية ( للخوف ظل طويل ) في طبعتها الثانية الصادرة عن دار كيوان في سوريا ستجدونها في بغداد - شارع المتنبي - مجمع الميالي في دار ومكتبة ... ( الكا ) للنشر وبامكان الدار ايصالها لاي شخص يرغب من المحافظات العراقية حين الاتصال بهاتفهم المعلن على واجهتها . الكاتبة والشاعرة منى الصراف

مجلة السياب الليكترونية / قــسم الارشيف

آخر المشاركات على موقعنا

لـــوجـه ابي بقلم الاستاذ الأديب جاسم العبيدي

أهلاً وسهلاً بك أنت الزائر رقم

الصفحة الرئيسية

مـن أجـل سـلامـتـك .... بـس خـليـك بالـبيت 🙆🙋🙇👫

مـن أجـل سـلامـتـك .... بـس خـليـك بالـبيت        🙆🙋🙇👫
نصائح للجميع حول الوقاية من جائحة كورونا: ١- أهمية التباعد الإجتماعي كون فيروس كورونا لم يثبت الى اليوم انتقاله عبر الهواء لذا خليك بالبيت وعند اختلاطك بالناس إحرص ان تكون المسافة بينك وبين الاخرين من متر ونص الى مترين . ٢- غسل اليدين بالماء والصابون بإستمرار ولمدة 40 ثانية عند خروجك من الأسواق والأماكن العامة وتجب ان لا تلمس وجهك أثناء وجودك بالأماكن العامة ، ويفضل عند تواجدك بالأماكن العامة أن ترتدي قفازات عند دخولك البيت يجب وإزالتها . ٣- لست بحاجة إلى ارتداء الكمام الطبي إلا اذا كنت تعاني من العطس او عندك شكوك أنك مصاب بفيروس كورونا ، ولكن يفضل إرتدائها عندما تكون في الأسواق والأماكن العامة حتى تتجنب لمس وجهك دون إدراكك على أن يتم رميها والتخلص منها قبل دخولك البيت وانتبه أن تكون إزالتها عن الوجه بالطريقة الصحيحة حتى تتجنب ملامسة اليد لها وذلك عن طريق رفع الخيط المتصل بالأذن اليسرى بإستخدام اليد اليمنى وسحبها باتجاه الإذن اليمنى أو العكس بالعكس دون ملامسة الوجة الخارجي للكمامة. ٤- إحرص على غسل مقابض أبواب البيت الرئيسية بالماء والصابون عند دخول أي فرد من أفراد العائلة.

About the site to your language

مساحة إعلانية

شروط النشر في مجموعتنا على الفيس بوك

1- يمنع منعاً باتاً مشاركة المنشورات والفديوات في النشر ولوحظ بعض المسؤولين والمشرفين بممارسة هذة الممارسه الخاطئة للاسف يمنع منعاً باتاً منح الموافقات للمنشورات الطائفية والتي فيها تجاوزعلى الذات الالهية والرموز الدينية والتاريخية ومنشورات الاعلانات التجارية 2- يمنع نشر بطاقات التهنئة للمناسبات الدينية والوطنية وتحية الصباح والمساء الامن قبل رئيس مجلس الادارة ومدير التحرير للمجلة ومن ينوبهما فقط 3 -تحدد المنشورة بمنشور واحد فقط للعضوا في اليوم اعتباراً من هذا اليوم1تموز2017 واثنين للمسؤولين والمشرفين تقديراً لجهودهم على الجميع الالتزام بما ورد اعلاه مع الشكر والتقدير للجميع . الاستاذ الأديب الشاعر ماجد محمد طلال السوداني مستشار مؤسسة مؤسسة السياب اليكترونية للادب والثقافة والمشرف الاداري العام للمؤسسة والمسؤول عن تنفيذ سياستها

مساحة إعلانية

مؤسسة السياب للثقافة والآداب للمزيد من المعلومات والاستفسار الإتصال بنا على الهاتف مراعاة الرمز البلد(العراق) 00964 07803776116

تــــنويــة

كاريكاتير اليوم

كاريكاتير اليوم