قصة قصيرة
رسالة
ذات يوم .. كنا ماضيين أنا و أحد جلسائي ، في نقاش معرفي عن امور معقدة، و كنت بحاجة للتزود برؤيا مقنعة عن ظاهرة كثر الجدال حولها . كان جليسي على حظ وافر بمثل هذه الأمور ، و كنت منشداً لتفسيراته المذهلة. مختصر مفيد .. كان ذهنية متوقدة في الأمور الفلسفية لأبعد الحدود .
عندما أقبل أحد الأصدقاء الأعزاء بعد غياب طويل و نحن منشَدِّين بالحديث ، توقفت عن اصغائي ، و نهضت لاستقباله مرحباً .
حيّانا بتحية مهذبة . بينما تجاهله جليسي بشكل ملحوظ ، و أشاح بوجهه جانباً.
ناديت للصديق على قدح شاي . و قبل ان يطرح بقدحه على الطبلة، بدا مشغول البال بأمر ما . إذ كان بين فترة و أخرى يلتفت لجليسي الذي أشاح بوجهه عنه . و كنت انتظر أنينتهي لكي نمضي باستعادة ، أعوامنا الماضية ، لكنه سرعان ما استأذن ، و غادرنا على عجل ، رغم طلبي منه أن يجلس لكي نقضي بعض الوقت .
حين غادرنا التفت لصاحبي الذي تعمد أن يبدو على انصراف كامل عن حديثنا السريع و سألته :
ـ اراك قد استقبلته بجفاء .. هل أنتما على غير وفاق ؟
بدا يتململ ، و كأني قد أحرجته ، فبسط كفه متفاجئاً بسؤالي و قال و هو يحاول ان يبتسم :
ـ لا أدري . و لكني لا أعلم لماذا أبدو متضايقاً من مشاهدته .
قلت :
ـ كيف تتضايق ؟ هل ثمة امر ما عَكَّر علاقتكما ؟
لم يجد إجابة مناسبة فقال :
ـ لا .. أبداً . و لكني لا أرتاح لشكله فحسب .
ـ شكله ؟!
ـ أصارحك ؟ إن ثمة إحساساً غامضاً يقول لي هذا الانسان غير مريح .
ضحكت و لم أعلق لأن كلامه لم يعط إجابة شافية .
***
لاح لنا صديقي المعني و قد عاد مسرعاً و استأذنني أن ينفرد معي ، فوقفنا على مسافة غير مرأية من جليسي ، و بدا مترددا في قول ما يدور بذهنه . قلت له مبتسما :
ـ إن في قلبك أمر ما ؟
قال :
ـ نعم . كنت أود أن أقول شيئاً لجليسك ، و لكنه أعرض عني متجاهلاً و بشكل مخيب لي ..
فقلت له ، لكي أردم هذه الفجوة التي حدثت :
ـ لا .. كنا نتحدث عن أمر ربما ثقل أمره على مزاجه .
قال :
ـ على كلٍ حال .. أنا التقيت في بغداد بابنته زميلة ابنتي في الجامعة ،و يسكنان سوية في القسم . و كانت تريد أن تأتي إلى أهلها برفقتي ، لأنها مطالبة بتسديد القسط الدراسي . و عندما علمت بالأمر قلت لها :
ـ إذا كان سفرك من أجل المبلغ . فلا تذهبي أنا أعطيك المبلغ ، و أستلمه من والدك .
المبلغ مئتي ألف دينار و زودتني برسالة لوالدها. فقط أرجوك أن تبلغه بالأمر . ربما سيحرج الآن لو أنا قلت له . و ربما المبلغ لم يكن تحت يده الآن . و هاك .. هذه رسالة من ابنته .
سلمني الرسالة وقد خط عليها بخط جميل عبارة : ( اشكر عمي ، حامل الرسالة) .
ضحكت دون إرادتي فقال :
ـ لماذا تضحك ؟
قلت :
ـ و الله .. لا أعرف بماذا أجيبك !!!
موسى غافل الشطري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق