قصة قصيرة منقحة
المقطع الثاني و الاخير
الغائب
تعي إلى نفسها من ذكرياتها لتجد دموعها تخضّل موقع قبلاته و تتساءل بعد حسرة :
ــ كم كنت أحس أن وراء هذا الضحك مالا يحمد عقباه؟
تضطرد ذاكرتها بتلك الذكريات.. إذ يريحها على سريرهما ، و يمسك بالوسادة و يحتضنها ، يدسها تحت ثيابه، يبدو ببطن امرأة حبلى. يتمدد على الأرض ، يتمخض تضحك بكل جوارحها فتقول :
ـ فهمت قصدك .
يستل الوسادة من تحت ثيابه يضعها في المهد ويؤرجحها مغنيا :
ــ دللول .. دللول .. يالولد يبني... دللول
قالت:
ــ أهذا صوت أم تناغي ؟ هذا هدير مدافع ...
قال:
ــ إذن .. هيّا افعليها و اسمعيه .. صوت السلام و الوئام .
يتهادى السرير بدلال و خيلاء، ويقذف بحافّته المشنشلة ، حتى يكاد يعانق النافذة .
يقف ليرقب كل ذلك بصمت و قدسية . وتبقى زينب تسبح بنهر دافق عميق من الشوق و التَمَنّي.
يرفع الوسادة داخل الغرفة و يقذفها نحو السقف . يحتضنها و يناغي . يكرر ذلك عدة مرات . ثم يضعها في كنف زينب ويستلقي جنبها و يسأل:
ــ متى تبرعم مرجانتي القرنفلية ؟
قالت بغنج :
ــ ألا تراها نضرة و ريّانة؟
قال:
ــ وأُريدها مبرعمة بسويق يطرق نافذتك و يدوّخ السرير.
بعدئذ زحفت يده إلى وجهها و يدها وجسدها ، ثم .. استقرّت وسط خصرها.
قالت زينب برجاء:
ــ أ لم يكن الليل قد تطرّف ؟
قال مشاكسا :
ــ أتظنين إني أستسلم ؟ كلا.. من هناك أحضرت كتبا من الكلام ، لا تسعها دنيا بأكملها .
رفع الرتاج و أسرع إلى المطبخ ، غاب بعض الوقت ، وعاد بإبريق شاي مهيّل .
احتجّت هي :
ــ لماذا أنت و لست أنا؟
قال:
ــ تعوّدت هناك أن أصنع كل شيْ بيدي .
جلسا يحتسيان وواصلا حديثهما :
ــ أقراني يقولون : إني أحسن صنع الشاي .
ثم أضاف :
ــ أتعرفين لماذا أحب الشاي ؟
قالت ساخرة :
ــ لأنك تحب الدبس .
فال :
ــ أحبه ، لأنه يشبه صبغ أظفارك .
قالت:
ــ هكذا ؟ يا لك من متيّم .
قال بغزل :
ــ كنت ألثم فم القدح ، و أصبّه دفعة واحدة في جوفي من أجلك ، ، وكنت أنت تمنحيني الدفء بأكمله .
قالت :
ــ زد من فضلك ..
قال :
ــ ثم أغفو و أحلم .. أني أتلمس وجهك و أحتضنك بقوّة . و أستيقظ فأجدني حاضنا صاحبي .
تستغرق بالضحك : فيتأنى هو و يقول :
ــ كم لدي من كلمات ، كنت أود أن أقولها ؟
قالت :
ــ وأين هي ؟
قال :
ــ ذابت ، ولم أعد أعثر عليها .
قالت :
ــ إذن اهجع .
قال أشبه بالذي يحلم :
ــ ربما أسرني سحرك .
يقترب الغبش ..يتكلم شتاتا ، ثم يخالط جفنيه الكرى فيلفّه نوم .. أثقله تعب الأيام الطويلة.
* * *
كم كانت سعادتها و آمالها كبيرة ؟
يوم أن غرس جذور المرجانة القرنفلية ، بجانب النافذة ، كان يحلم أن يكون بيته أسعد و أجمل بيت .
آنذاك قال الأب مداعبا و غامزا زينب :
ــ كل هذا من أجل زينب ؟
قال باسماً و هي في حلّة العرس :
ــ ألا تستحق ؟
* * *
تأوّهت زينب وقالت بحسرة :
ــ ماء و تبدد..ذوّبني في قدحه ، مثل سكّرة و تلاشيت .
أزاحت ذراعها عن صدرها ، و انقلبت على وسادتها قبالة سرير الطفل المنتظر ، كانت دموعها تنحدر و تخضل خدها . تصطدم يدها بكفّة السرير، فيروح يقذف بنفسه نحو حافّة النافذة.
* * *
في ليلة مقمرة ، يلوح سُويق المرجانة الذي نما قبل حين،من خلف عتمة الستارة ، يدبّ ويضغط بنفسه .. برفيف رقيق ، يطرق ما يتحسسه حسن بكفه التي اعتادت ان تتحرى.
قالت وقد أعياها أرقها :
ــ ليته يعود ، ليرقب ذلك وتقرّ عينه .
طرفت بعينيها الدامعتين . وشيئا فشيئا ،زحفت سحابة نوم خجولة ، تحتضنها برفق ، و تدثّرها بطيف هادئ .
موسى غافل الشطري
1996

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق