مقطع من رواية ( ليل معدني)
صفحة 88
موسى غافل الشطري
كتبت عام 1996 و منعت من النشر من قبل الرقيب في دار الشؤون الثقافية . ثم نقحت و طبعت الطبعة الاولى عام 2010
***
لم تستدل الخالة زهرة على أي دليل يوصلها لرأس ولدها وقد أنهكها البحث طيلة زمن غاب عن ذهنها تحديد مداه . كلما عثرت على رأس تفرست بملامحه ، فتأكدت أنه ليس له . بالكاد تستطيع نقل قدميها . فجلست وأرخت ساقيها من الإعياء لتأخذ قسطاً من الراحة و انتحبت بصمت . ثم بعد حين واصلت بحثها زحفاً على بطنها ، و هي تعاتب رب هذا العالم :
ـ أيغريك ما أنا عليه من حال ؟
كم قضت من الوقت و انا اتحرى؟
مكثت متأنية، كي تخيّر نفسها : في أي اتجاه تزحف ؟ ثمة نداء مألوف تناهى إليها من مسافة .. على قدر من الرقة والتأني :
ـ خالة ... زهرة ... يا خالة ؟
أجابت :
ـ من أنت ؟
قال:
ـ أرجو أن تأتي لابن أختك .
لاح الرأس متمرغاً بالدم والتراب. وقد غابت ملامحه. زحفت نحوه وشخبت حليبها فوق وجهه. مسحته بكفها، فلاح وجه ابن جارتها( سعيد) مبتسما، وعيناه متألقتان وقال:
ـ أطبقي صدرك على وجهي ، فانا في شوق أن أشمَّ رائحة أمي .
قالت بحزن وهي تفعل ذلك :
ـ هل ثمة ما يؤلمك يا بني ؟
قال:
ـ تجاوزنا الآلام والخوف. وإذا كان المرء بحاجة إلى الدعة و راحة البال، فعليه أن يتجه إلى هذا العالم .
قال رأس آخر متدحرج :
ـ أني أعجب : لماذا لا يقدم الجميع إلى هذا الملاذ الآمن الذي يوصله إلى ارتضاء نهايته ؟ لا توجد مسافات مقلقة بعد أن يصل إلى هذا العالم .
قالت الخالة زهرة :
ـ من أي بلد أنت؟
قال:
ـ من بلد آخر.
قالت:
ـ إذن غريب ؟
قال سعيد :
ـ هذا العالم – يا خالتي - لا يعرف غرباء أو أقرباء، نحن جميعا جمعتنا المحنة فيه لتمضية الشوط ونستذكر ذلك التقاتل بلغة واحدة، وننسى الأحداث الأخرى.
أثناء الحرب ، وجدنا نفسينا - أنا و هو - وجها لوجه . كان علينا أن نتقاتل لكي يفوز احدنا بالحياة أما أنا أو هو . ولكننا تدحرجنا بشظية ضالّة وكم أضحكنا هذا عندما التقينا وتعرفنا على نفسينا هنا . وها نحن نلتقي عند عالم واحد. كلانا بحاجة إلى الآخر ، لكي يقضي وقته بالحديث . كم اكتشفنا من أحاديث مدهشة؟
يبدو أننا قد فاتنا الكثير من الأمور التي كنا نتصور أنفسنا في غنى عن التعرف عليها لدى الآخرين وفهم محتواها. كم نجهل من أشياء؟ كم كنا نتصور أنفسنا مترفعين وفي غنى عما لا نعلمه عن العالم؟ كان في تصوري أنني فقط أعرف قضايا يعجز عن معرفتها الآخرون. إنها حكايات متقاربة ، بيد أن لها نكهتها .
قال الرأس الأخر :
ـ يا خالتي.. هلا غسلت وجهي بحليبك ؟
زحفت نحو المنادي . إنه قريب جداً. لكنها لم تعد قادرة على الوقوف ، فقد كلت قدرتها جراء تنقيبها في فلوات لا تحصى و دون جدوى .أمسكت بثديها وشخبت حليبها على وجهه. بدت ملامحه جميلة ، وابتسامته بريئة متألقة، وصغير السن، وقريب الشبه بابنها الصغير . مرر لسانه و تذوق حليبها ، فتأوّهت وبكت بحرقة .
قال:
ـ هنا لا تخطئي وتبكي يا خالة، فليس في عالمكم ما يؤسف عليه، أنا لا افتقد هنا سوى لحظة.. أتضوع بشذى أمي و أتذوق حليبها - فقد تعودت من شدة تعلقها بي أن ترضعني و أنا بهذا العمر - ثم اقفل عائدا .
قالت الخالة زهرة :
ـ ليتكم خلدتم بأحضان أمهاتكم ؟
قال :
ـ بهذه الحال ؟رأس فقط, وبلا جسد ؟ أليس هذا ما يؤلم؟ ماذا تضع الام في حجرها؟ رأس جَدْيٍ ؟
قالت:
ـ حتى ولو رأس، أو ذراع ،أو جثة، أو قميص، هي لا تحتمل أن يختفي كل شيء .
قال سعيد مبتسما :
ـ حسبك ما يكفينا أيتها الخالة ، فنحن والحالة هذه لم نجلب للأم، ،سوى الآلام و الأرق . ونحن في كل الأحوال ترافقنا بعدها بسويعات ، مستلزمات رحيلنا. وبعد ذلك لا نترك خلفنا، سوى الوجوه المكدومه.. والأجساد العارية الملطومة ، أليس من الأوجب أن نريح و نستريح ؟. ها أنتِ على هذه الحال يا خالتي . من الذي دعاك لذلك ؟ أتعرفين من دعاك ؟ حسناً إذن هذا هو الذي قُدر للأم .
قالت لسعيد :
ـ كل هذا البحث المضني ، ولم احصل على شيء يعزّيني ؟وها أنت ذا تراني لا أقدر على النهوض . ارشدني لوسيلة تعينني.
قال سعيد باسماً :
- كل ما فعلته محض متاعب مضنية و ضائعة .
قالت :
ـ وهل أعود خائبة ؟
قال:
ـ لماذا خائبة ؟ هل يسعدك أن تتحملي آلاما له و لك ؟هذا ملاذه. ففي هذا العالم يترك المرء هموم عالمكم ورزاياه لكي يكرس نفسه لراحة البال و صفاء رأسه .ألم تشاهدي هذا الحشر المكتظ ؟
قالت :
ـ نعم اشاهده .
قال:
ـ إذن عودي أيتها الخالة إلى ولدك الآخر. هو أجدى بالرعاية فهو ينتظر حلمك وفطنتك لتدبير مصيره، حتى لو تسنى لك أن تحفظيه في حفظ أمين . وما أسعد حظك لو أرجعته إلى رحمك. فذلك الأمر الوحيد الذي يبقيه نائياً عما يجري .
أنت هنا عاجزة عن تدوير مقدار ظفر من عجلة الدهر .لا تقضي وقتك عبثاً ، الرأس هنا، والجسد هنا في هذا العالم الذي رسمه إله الموت. هل في وسعك أن تجمعي شتاته ليعود معك ؟ و حتى لو قدر لك هذا ... ثم ماذا بعد ؟ سيعود هنا مرة أخرى لا محالة .
قالت بعد أن ضاع عليها كيف تجيب :
ـ و من يرعى شتاتكم ؟
قال:
ـ هو.... صاحب الشأن.... انظري في هذا العالم.. أترين امرأة أو فتاة ؟ .. ليس هنا سوى من جاءت للبحث عن فقيدها ، ثم تعود خالية الوفاض . انه جزأ الناس: لمن يأتي إلى هنا ... ومن يبقى في عالم السواد. هذا هو قراره من ألفِهِ إلى يائِه .
قالت :
ـ يا له من قرار.
قال :
ـ إذن اكتفي بما حصل، فأنت أكثر حظوة من غيرك بما رأيت. وعند أوبتك قولي لأهلي.. أن يتقربوا لمشيئته ، بمزيد من الدموع لبحر الدموع . فهذا مالكم وما عليكم .
قالت :
ـ سأعود لولدي الصغير .
قال:
ـ إذن عجّلي برحيلك، فليس في وسعك التريث عن واجبك ذاك ..
* * *
استيقظت لتجد نفسها تبكي خيبتها، وضياعها، في فجر عالم , لم تستطع أن تكيف نفسها معه ، لكنها ظلت طيلة الليل تنتظر الصباح.أمضت ليلا باهتا. اغتالته الأضواء, لا يتجرأ.. أن يلملم أحزانه, ويدثرها.
ليل معدني مضاء. قاس بارد. ظلت تبكي خيبتها، في وقت..هي بحاجة إلى كلمة تعزية. وعبر ثقب في جدار الصمت..تسلل إلى سمعها صراخ ظل يتلاحم مع غيره.
فقالت وسط دموعها:
- صراخ ...
انتهت
1
الكلمة الصفحة المعنى
-------- ------ --------
ــ حشك ص17 خيوط ملونة يجري لفها على خشب مستطيلة تسمى المحشكة ثم يجري قص الحشك لعمل نقشات في سدي السجادة
2 – مضراب ص17 اداة له اسنان كالمشط يضرب به على الحشك لتثبيته على سدي السجاد
3 – الكلبة لايكا ص 46 اطلقت للفضاء بسفينة فضاء سوفيتية و حدث احتجاج من قبل جماعة ( الرفق بالحيوان)
4 – الختّيلة 49 لعبة أطفال . تعمض عيني أحدهم و يختفي الآخرون فيهتف احدهم : حلال . ثم يفتح عينيه و يبدأ بالبحث عنهم .
5 – كارة 69 توضع السنابل بعباءة نسوية و يجري شدها و تحمل على الرأس لإيصالها للبيدر
.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق