82
مقطع من رواية ( ليل معدني)
صفحة 82
موسى غافل الشطري
كتبت عام 1996 و منعت من النشر من قبل الرقيب في دار الشؤون الثقافية . ثم نقحت و طبعت الطبعة الاولى عام 2010
بدأ الحشر يذعن للصمت المطبق ، كأن غمامة اكتنفت الجميع و تحولوا إلى آذان صاغية. و أدركوا .. ان هذه الطقوس ؛ كما لو انها توفر مساحة عظيمة لتحصي أنفاسهم . وان الجميع سيمثلون أمام رفعته . وهناك تجري مراسيم الاعلان عن الطاعة لحكمته و مشيئة الاذعان لرغباته المقدسة ، التي يجهل المحشورون أيةَ فكرة يتطلبها الموقف أمام هذا الامتثال . لكي يفهم الجميع ما هي الغاية من حضورهم هنا فلعله عامل خير .
ربما ان الحشر سيتلقى التعاليم بما ينبغي أن يصنع أمام جلاله حال ان يطل على الجميع. وكان رجاله قد توغلوا بين الحشر ، و كانوا يحثونهم على الهتاف بربوبيته و الدعاء، حال مجيئه، بما تسع مساحات أصواتهم .
فجأة حدث هرج واندفاعات عصفت بالجميع ، وظلت تزحف بهم يميناً وشمالاً و كانت وسائل العنف تنال من وجوه و أجساد الحشود لكي يفسحوا المجال لمرور عظمته : كان إله الموت يتوجه محمولاً نحو العرش الذهبي المرصع بقحف من عظام الجماجم وخوذ قتلى الأعداء التي بدت أكثر لمعاناً، هي مخلفات الضحايا و الأسرى و العبيد في زمن أجداده العظام الذين دوّخوا الدنيا بِإعداد جنودهم للمضي بحد الصوارم إما النصر أو الموت ، فأبى إلاّ أن ينهج نهجهم ...
كل ما يجرى الآن هو إضهار أقصى تعبيرلهيبته . ولم يزل المتخصصون من رجاله يبحثون عن منابع أخرى يمكن أن تضفي طابعاً معبراً عن جبروته .
بدا الإله بعيداً بعض الشيء عن الخالة زهرة. وقد أمسك بمقبض سيف من المواضي البتارة ، يلقي به على كتفه. لوّح به للجميع تعبيرا عن رضاه بمظاهر الاستقبال .
هتف أحد مصوّتيه بنبرات تقرقع قرقعة السلاح :
ـ باستطاعتكم جميعاً أن تتبركوا بمشاهدة صانع أمجادكم المقدسة . وهاهو يضع حسامه المسلول على كتفه ، كما فعل أجداده العظام ... اركعوا لأداء فروض الطاعة و رددوا معي :
ـ هو المعين .
فهتف الجميع :
ـ هو المعين .
ـ هو المقتدر .
فهتف الجميع :
ـ هو المقتدر .
ـ هو الجبار .
فهتف الجميع :
ـ هو الجبار .
ـ هو القهار .
فهتف الجميع :
ـ هو القهار .
قالت الخالة زهرة وهي تشرئب بعنقها أمام الحاضرين :
ــ أريد أن أسأل كبير الشأن .
لكن هناك من كتم فمها بقسوة . وكادت أن تنقطع أنفاسها .
قال هامساً ليوقف استفسارها :
ـ ماذا يجدي استفسارك أيتها الأخت المسكينة ؟ ألا ترين هذا الجمع الهادر؟ هل تتصورين أنهم لا يحملون هماً يريدون الإجابة عليه؟ إن سُؤالك لا يجدي نفعاً.
دَوَت الحناجر والجلبة والتكبير و الهتافات التي تسببت الحماسة أن تخون الحناجر إمكانياتها. أن تدوي في سماء(إله الموت) العظيم . لإذكاء عاصفة لا علم لأحد من أين بدت وإلى أين تمضي . و قد حدث هذا فعلاً ؛ فبدل أن يتفوه هو أو غيره بكلمة ، كانت هذه الجموع قد بدأت تردد آيات التعظيم ، و واصلت السجود أمام قدميه .
أحياناً تتصاعد ترحيباً كأنها تخترق الإحجام الذي يشد الحناجر فتدوي ترحيباً بذلك المعظم المكلل بالزهو والعزّة و القوة. الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء. هو اعلم بها من غيره . هو يعرف ما في العيون و ما في القلوب . وظل ينعكس بريق حسامه. وكان حتى أُولئك الذين ما كان يسرّهم ما آلت حالهم إليه ، حتى هؤلاء لا يسعهم أن يُخيّروا من قبل رجاله المتوغلين بين الجموع، بغير أن تنطلق حناجرهم بالهتاف والترحيب لهذا الإله المبجل ذي السطوة التي لا مثيل لها . و بعضهم يغوص إلى عمق الخنوع التعبّدي إلى مستوى تعفير جباههم بالتراب الذي تخلّفه جزمات خَدَمِه . وإيصال ما يعلمه بتقبل حكمته.
كل أولئك انشُغلوا ، لا بفقدانهم فلذّات أكبادهم أو أنفسهم ، بل بصــــاحب الجلالة الذي يُحيي بالطريقة التي أحيا بها جاسم ، بحيث يستطيع أن يمنحه الحياة بدون الحاجة للرأس . فالرأس أشبه بالزائدة الدودية فائضة عن الحاجة .
كل الإرادات يكفي أن يديرها رأسه هو و ليس أي رأس آخر . ويستطيع أن يميت الأحياء و يبعثهم ضمن الوسيلة التي يرتئيها هو.
بدأ رجاله يدفعون بقسوة جانباً بالذين حشروا لإلقاء نظرة على محيّاه المهيب .
لكي يتربع على عرشه ويراقب من فوقهم مشهد هذا ألعرض الذي لا تحده حدود .
و نادى المنادي :
ـ حملة الرؤوس .. عليهم أن يتقدموا و يضعوها في طبق عرش الإله .
و كانت عشتار من ضمن من سيق ليلبوا الطلب و تسلم الأمانة لتوضع بين يديه ليتخذ قراره بشأنها.
فالسائد في أذهان الجميع هو همس يدور بين المحشورين ، بأنه سيوصي بإعادة كل جسد إلى حاله و يعود الجميع إلى بيوتهم معززين مكرمين . و حتى أصحاب الأجساد التي هرستها سرفات الدبابات و اختلط حابلها بنابلها هم أيضا يدور في خلدهم انه قادر على إعادة أجسادهم كما كانت. فبدت تتولد استراحة لجر النفس و ضمان العودة بالخير القادم من بين شفتيه .
بدأ باستعراض الرؤوس التي حملتها الأيدي ووُضعت أمام عرشه في الطبق الواسع الأرجاء . ومسّ بسيفه شفاههم برفق مباركاً ، وقال بصوت واضح النبرات إلى أقصى المديات :.. لقد سبقتمونا بشرف التضحية . من أجل رحيلكم سيعم السواد أرض السواد .
بعظمتي و عظمة أجدادي لأجعلنً من بعدكم كل شيء أسود حتى المياه ، و النخيل ، و الأرض و الوجوه . لا ننعم من بعدكم بأرض خضراء ، و لا ببسمة تتردد على الشفاه .
و أشار بسيفه للرجل الماثل أمام البوابات الثمان :
- افتحوا البوابات لكي يدخل الجميع .
فما أن أمر الإله بالدخول حتى هتف الرجل المخوّل بالأمر قائلاّ :
ــ أمرك مطاع إلهنا العظيم . الجميع يدخلون حفاة عراة .
قالت الخالة زهرة بذعر :
ــ ما هذا ؟!!!!!! والنساء ؟
ردد البواب بحزم :
ــ الجميع حفاة عراة .
قال رجل للخالة زهرة بصوت واطئ ، و هو منشغل بخلع ملابسه :
ـ أيتها الخالة .. ضعي ما تحملين مع الضحايا وامتثلي لما تسمعين ، و اخلعي أي ملبس يستر جسدك حالك مثل حال الرجال و النساء. و انفذي للعالم الذي ينتظرنا جميعاً خلف البوابات الثمان .
* * *
امتثلت الخالة زهرة لنصيحة الرجل، و ناخت بحملها ووضعته مع الأشلاء ، وخلعت ما عليها واحتارت كيف تلوذ بمحرمات جسدها؟ و ندبت جاسم الذي اختلطت جثته مع الجثث :
ـ أهكذا تجري الأمور بعد فعلتك يابن المُسعَدَة ؟ التعري و كشف العورة ، و ليس غير؟
تخلت عما جبلت عليه ، قبل ان ترتهن في مسيرتها بهذ العالم ، و تتخلى عن قيمها و حشمتها التي تربّت عليها و صانتها على أحسن وجه، و ليست فقط هي فقط، بل كل امرأة زجت ضمن هذا الحشر .
في السابق كانت تحافظ على ستر خفاياها ، و تستميت على حجبها عن الأنظار، حتى ابتسامتها ، كانت آنذاك إذا ابتسمت ، تلجأ لكفها كي تحجب رؤيتها أمام الآخرين من الرجال ، بينما هنا .. أذعنت ، لاستحقاقات ربوبية لإله الموت . وقد تحتم عليها الآن هذا العالم الذي صَيَّره، أن تُجْبَل على صيرورة عالم تخلى بالكامل عن تلك المفاهيم السابقة المتسيدة في ذلك العالم الذي خلفوه وراءهم و صار بكل ما متعارف عليه هنا ، نسياً منسيا .
أما ما قاله الرجل للخالة زهرة ، وهي التي لم تكشف حياءاً عن قدميها ،فإن ذلك جعلها تمتثل صاغرة لهذه السجايا الجديدة .
فما دام اله هذا العالم يرسل عبيده نساء و رجالا دون استثناء ، حفاة عراة ، و بلا نقاش ، فيجب على زهرة ان تمتثل لراعي الرعيَّة رغما عنها ، و أملاً باستعادة ولدها بكامل جسده.
ومن سوء الصدف: أنها لا تكاد في هذه اللحظة أن تحظى بامرأة واحدة بصيرة بهذا الأمر ، فالكل اذعن لإرادته التي لا راد لجبروتها و تساوى فيها القوي و الضعيف. و حتى لو عثرت عليها ، فتلك أيضاً قد تعرت و انشغلت بهم جديد هو هم جسدها العاري ، و التي تتمنى كل امرأة تتعرض لما يحدث : فتقول يا ليت جسدي ما وجد .
وحتى عشتار التي اختفت حتما ستكون ليست أقلّ امتثالاً . لكن .. من غير المتوقع أن تبدو هناك امرأة يُستثنى مكوثها هنا وتقرر العودة من حيث أتت ، وهي ملتزمة بمهمة أذعنت مُرغمة أن تنجزها .
* * *
بعد أن شرّعت البوابات، وتدافع الكل من خلالها.. تقدمت جرّافات، جرفت كل هذه الكتل اللحمية من الأجساد المهروسة و الرؤوس وأُدْخِلت .
وعبر مسافات شاسعة، تسللت الخالة زهرة ، لتجد نفسها في وضع غير مألوف. ومازالت لم تفقه منه شيئا. فأمعنت تحث خطاها وسط مفازة ، تناثرت فوقها على انفراد العديد من الرؤوس المبتورة والمهشمة .
حللت ضفائرها وأحكمت بهن على خفايا ما بدا منها، وعندما كلت من تحريها ، مضت ماشية. مبدية حيرتها : أين يمكنها العثور على رأسه ؟ هل تلاشى ؟
قال رأس مفصول كأنه يسخر :
ـ المرء لا يفكر، فلها مدبر. حرري عورتك من ضفائرك أيتها الخاله .
أبدى ابتسامة حزينة ، لكنه أرشدها لحسن التصرف لكي تراعي نواميس هذا العالم.
فقال :
ـ تكَيّفي أيتها الخالة مع أحكام هذا العالم . وأذعني لمشيئته. فليس بوسعك ان تخرقي المحذور و تخفي ما كان مستوراً. ينبغي عليك ان تمتثلي لاحترام ارادة الإله عارية دون أي اعتراض أو ابداء تذمر ، فلا اعتراض على إرادته . إنما حفاة عراة . الرشيق و المكرش . القبيح و الجميل . الطويل و القصير. السيد و المسود .
قالت راجية :
ـ هل أستطيع ؟ لا أستطيع .
قال :
ـ بل تستطيعين . كيف استطعت قبل مجيئك أن تتحمّلي ، دون اعتراض ، أوزار دنياك وعظائم الأمور ؟
قالت:
ـ لست مسؤولة عما حدث، ولا أنا قادرة على صده .
قال :
ـ مسؤولة أم لست مسؤولة .. لا أهمية لذلك . ينبغي ان تفعلي ما أقول لك : يجب أن تلاقي مصيرك كما حكم عليك .لا تخفي شيئا عن صاحب المصير . إعلني الإذعان بالكامل ، و دعيه يتمعن بتفاصيل ما أخفيتيه .و اتركي كل شيء فيك مكشوفا ، تماماً كما خرجت من بطن أمك .
و أرادت أن تتلافى الحديث عن تفاصيلها الداخلية ، فسألته :
ـ ألا تعرف جاسم ابن زهرة ؟
قال ضاحكاً : لن تجديه أيتها الخالة . ألا ترين هذه الأعداد التي لا تحصى من الرؤوس ؟ لا أعتقد أن هناك وقتاً يكفيك للبحث . و سوف لن تجدي ضالتك .
ودّعت الرأس ، و تلبية لنصيحته ، حررت شعرها، وأرسلته على سجيته، وتقدمت كما خلقها ربها . وعلى قدر لا تحده رؤيا، اكتظت مفازات هذا العالم ، بمخلفات بشرية : الرؤوس لها فناء . و الأيدي لها فناء . و الأرجل لها فناء و الأجساد الكاملة لها فناء . و المهروسة تماماً لها فناء . كان الإله عادلاً إلى أقصى حد بهذا التقسيم .
ولم يفل الارهاق من عزيمة زهرة . لذلك مضت في سعيها . في حين قبعت مجموعات وافدة ، هنا وهناك. مجموعات أخر ومنهم زهرة ، انهمكت في البحث عن ضالاتها. لكنها فوجئت : بان الفلوات مترامية ، وهي كمن يبحث عن قشة في بيدر و على مساحات مترامية. فيما بدا الجميع كأنهم بانتظار أمر مجهول، يتقرر بعده الرحيل.. إلى ذلك الملاذ الأبدي . فمكوثهم هنا ، هو أشبه بمحطة انتظار. ثم بعد الفرز و التحقق من الأسماء و من أي بلد ، يعلن عن وجهة مصيرهم .
يتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق