انا مستعد للحرب
(ليس أسهل علي أن أعود من حيث اتيت )،أعتقد أن هذا ليس تهديداً لأحد ،صيد الماضي صعب جداً ، قلب الإتجاه ،كان يريد ان يقول ان الألم له أصل وطرفه غير محدد ، كل الذين يربطون البقر تحت التوتة ممنوع عليهم ان يتفيأوا تحت ظلها ،توصيل الفكرة متعذر ، ولا أحد يقرفص إذا كانت الريح عاصفة ويفكر .
( وها تحت القمر الهادئ وفي هدأة السكون يتشرب تراب اجدادي دمي ، وحول جسدي تهوم فراشة ضوء صغيرة ، تتراقص محاولة طرد شبح الخوف عني ، أصغي الى حفيف اجنحتها فتسكب حكمة الموت في قلبي :(أن تموت من أجل الوطن خير من أن يموت الوطن من أجلك .)
اخر توقيع لرجل ملقى على الأرض وبندقيته بيده ، يرقد لا حراك به ، وظلام منتصف الليل يتجمع حوله ، انه ممدد ولن ينهض ثانية ،سعيد ومطمئن ، هنا دون اي خاطر يفكر في الوحدة والخسارة ،هو الذي مات كي نعيش ، كان المجند الذي ارسل الى الصحراء لأجل خوض معارك الوطن .
تركوه ملقى على رمال حقل شاعر , بعد أن تشارك جميع سكان العالم في قتله ولا زال بعضهم يطارد جثته بالتقطيع والسب والشتم, وللذباب مهمة جمع ما تبقى من اللحم النتن والخروج به لإلقائه بعيدا في مجاهل الوطن الذي على مشارف الشهادة
روحاًحلوة عاشت في هذا البدن ، لم يكن يسمع صوت ضجيج ،سوى صوت ازيز ذبابة خضراء ، او ازيز صليات رصاص من مكان بعيد ،ان للموت هنا معنى واحد فقط أنه قادر على حجب الحياة عنه ،الحياة التي ضلت طريقها الينا ،فنموت وحيدين مثل دابة أصابها الجرب وقتلها الجوع في غرفنا الوسخة ،طلقة صوبت الى بلعومه ولم يعرف أحد مصدرها ،لعبة الحرب يقتسمها قطبان النصر والهزيمة ، ولانه مفروض علينا أن نسرق نشوةالنصريجب بعضنا أن يموت .
ان شيئا وحشيا يزعق كالموت فوق رمال الصحراء الهائلة ، ليس فيها غير طوابير من جثث هامدة ، وبرد وشمس خابية تعلن هي الأخرى الحرب على اشكال مصفوفة بانتظام ، كانت قبل ثلاث ايام تتبادل الابتسامات والسكائر والوجبات الرديئة .
لكن الأمر يبدوا مختلفا بعض الشئ مع هذا الجندي ،الذي كان يطلق صفيراً يشبه تغريد البلابل , في الحقيقة هو يطلق أسر هذه العصافير الجميلة المحبوسة في قفصه الصدري ، استمر صفير البلابل ،لكأن الوحي انبت في قلب هذا الجندي المجهول المفاتن السلام ،،فكبر تحت سياط لذة شرف الموت ، طار بجناحين جبارين بعيدا عن الروائح الكريهة ،وتطهر جسده في الفضاء الفارغ ،ما أسعد أن يحلق المرؤ فوق الوجود ،تاركا وراءه السأم والحزن ، ويشرب من الضياء الإلهي اللامع ،ويفهم دون عناء لغة الطيور .
أن المرؤ ليحار حقا في وضعه ،الذي يبدوا على نحو ما غامض ومشوش ،ان شيئا انسانيا خارق للعادة يلمع في سحنته ، يجعل وجههه أكثر صفاء وحديثه اكثر رقة ، يشق طريقه في ممرات ضيقة لتدخل خلسة الى روح رفاقة في المحرس ،هذا الكائن الرقيق الذي سيبقى لزمن طويل، يشغل حيزا كبيرا من ذاكرة اصدقاءه الذين نجوا من المعركة .
قسوة الواجب هي التي ساقته مع القرويين والمزارعين الفقراء الى حظيرة الحرب ، وأطعمته حد الأشباع وجبات متكررة من الذلة ، لكنه الوطن ، ليس كذبة ، هذا الكائن القاسي الذي يشغل حيزا كبيرا في ذاكرة صغيرة متعبة ، لكننا مع ذلك نقول " أن طريقنا للخلاص موجود بلا شك حتى في وطن ظالم "
كان بكررالصفير ، صوتا ملاك يزغرد في الصحراء، يطلقه في وجه الكاّبة والغشاوة والاغتراب ، كي يصد هجوم الأصوات الوحشية الموغلة في هذا المدى الصحراوي الملئ بالتعويذات والخرافات والخطب الدينية .
كلما اتسعت الأمكنة كلما ضاقت النفوس وأنحسرت الارواح ،وهنا في هذا المحرس الذي يضيق بسبعتهم كانت النفوس تتسع بالطمأنينة وتؤازر بعضها من الغفلة ،بداية الحرب بداية الدخول في المجهول ،اي وهج يشعله هذا الوهم ،حيث تبدوا كل الأشكال التي مضت جميلة ومشطوبة من الذاكرة ،أسماء بدون وجوه ، نتعثر بها فنجدها حقيقية ،تنمو ببطء في دمنا ،عذاب الحرب ،لا ...لا ...لا... ،ولكن اي احساس بالحياة امدتنا به هذا الذي يجري .
ابتدأ كلامه قبل ان يضع البارودة الروسية بين فخذيه :
- فجأة اكتشفت ان وضعنا مرتبط بهذه الحرب ..اسألني كيف
سيان اي جواب يكون ، فالتفكير أو عدمه سواء ،فهذا هو اليوم الالف بعد الخمسمئة تفصلهم عن قراهم ، فليس للجواب أهمية ،هذا ما لاشك فيه بالنسبة لزملاءه ، أذ انهم يعرفون كما يبدوا دون ان يجدوا سببا منطقيا لماذا هم هنا في الخندق الاول ،لم تكن رغبتهم في الأجابة بقدر رغبتهم في الكلام ،فقال له احدهم :
-كيف
-ذات يوم شاهدت طائر جريح يحوم في السماء مفجوعا ومرتعشا وجميلا مثل ملاك ، يبحث في بقعة على الارض عن عشه وفي منقاره دودة،يحوم متحديا الالم بأصرار كي يكسب أخر جولة في حياته ويطعم صغاره أخر لقمة قبل ان يموت ؟؟؟؟ لم يشأ ان يكون مهزوما من وحشية الصياد؟؟!!
فاجأهم الجواب ، فهؤلاء جميعا لهم أجوبتهم ،وكلها ذات قيمة ، وأكمل:
-ثم نظرت الى الفضاء من جميع الجهات فرأيت اّلاف العصافير تزقزق وهي تروح وتجئ فأدركت أن العصافير الضعيفة انتصرت على الصياد ...
فجأة خيم صوت أزيز الرصاص على المحرس :
-هجوم ..هجوم
صاحت أصوات من المحرس ، ومن مكان أخر في التلة الأخرى ،كان يقف في المحرس الى يسار قاذف ال ألأر .بي . جي ،كانو يستشعرون أهتزاز الأرض تحت أقدامهم من انفجار قنابل المدفعية ،التي تمهد تسلل الأرهابيين الى المحرس ، كان الأنفجار يهز الارض هزاً، ورأى على مقربة شديدة أعداد هائلة من الأرهابيين تزحف نحوهم ، ورأى أيضأ عيني زملاءه المتسعتين رعباً ، وقد أستولى عليها الذهول والأنسحاق، كأنهم في حلم ثقيل ، بينما يجابهك عدد هائل لايرد .صرخ:
-انسحبوا وانا سأغطي انسحابكم ...
كانت القنابل وصليات الرصاص تتهاوى متلاحقة ، متساقطة حولهم على الأرض ، نزل الى الخندق بينما يتابع أصدقاءه ببصره وهم ينسحبون .
- استلقوا على الأرض وأزحفوا ... بسرعة
ومع الحاح الفكرة على رأسه في وجوب عمل شئ ما ،رفع بندقيته فوق المستر الترابي واطلق صلية رصاص ، ثم ركض كالنصل عير الخندق وأطلق صلية أخرى ،على مبدأ" اضرب واهرب " وهكذا شاغلهم ,راح وجاء وصعد الى التلة فوق المحرس وأطلق صلية عشوائية ، في تلك اللحظة نفذت رصاصة في بلعومه ،فسقط على الأرض وفمه المتحشرج بدأ يغرد بصوت شجي ،لم يشأ ان يكون مهزوما ً، ان طريقأ للنصر موجودا في أكثر المخلوقات ضعفاً ،العصفور ،ان عدم وجود حرب امر هين وسهل بل مقبول يشكل طبيعي ، غير ان نسيان الامر في غاية الحماقة ،وكل هؤلاء الذين يجلسون في المقاهي ويثرثرون في الطرقات والاسواق لايعرفون شيئا عن الحرب .اذ يبدو لهؤلاء الناس شيئا غير ذات أهمية ، لذا كان عليه ان يموت حد ايقاظ هؤلاء الكسالى الذين يملأون الشوارع ، وربما بموته ود ان يسألهم " هل تعرفون شيئا عن الحرب "
فؤاد حسن محمد- جبلة- سوريا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق