انا مستعد للحرب ~ بقلم الأستاذ فؤاد حسن محمد / سوريا

. . ليست هناك تعليقات:

انا مستعد للحرب

(ليس أسهل علي أن أعود من حيث اتيت )،أعتقد أن هذا ليس تهديداً لأحد ،صيد الماضي صعب جداً ، قلب الإتجاه ،كان يريد ان يقول ان الألم له أصل وطرفه غير محدد ، كل الذين يربطون البقر تحت التوتة ممنوع عليهم ان يتفيأوا تحت ظلها ،توصيل الفكرة متعذر ، ولا أحد يقرفص إذا كانت الريح عاصفة ويفكر .
( وها تحت القمر الهادئ وفي هدأة السكون يتشرب تراب اجدادي دمي ، وحول جسدي تهوم فراشة ضوء صغيرة ، تتراقص محاولة طرد شبح الخوف عني ، أصغي الى حفيف اجنحتها فتسكب حكمة الموت في قلبي :(أن تموت من أجل الوطن خير من أن يموت الوطن من أجلك .)
اخر توقيع لرجل ملقى على الأرض وبندقيته بيده ، يرقد لا حراك به ، وظلام منتصف الليل يتجمع حوله ، انه ممدد ولن ينهض ثانية ،سعيد ومطمئن ، هنا دون اي خاطر يفكر في الوحدة والخسارة ،هو الذي مات كي نعيش ، كان المجند الذي ارسل الى الصحراء لأجل خوض معارك الوطن .
تركوه ملقى على رمال حقل شاعر , بعد أن تشارك جميع سكان العالم في قتله ولا زال بعضهم يطارد جثته بالتقطيع والسب والشتم, وللذباب مهمة جمع ما تبقى من اللحم النتن والخروج به لإلقائه بعيدا في مجاهل الوطن الذي على مشارف الشهادة
روحاًحلوة عاشت في هذا البدن ، لم يكن يسمع صوت ضجيج ،سوى صوت ازيز ذبابة خضراء ، او ازيز صليات رصاص من مكان بعيد ،ان للموت هنا معنى واحد فقط أنه قادر على حجب الحياة عنه ،الحياة التي ضلت طريقها الينا ،فنموت وحيدين مثل دابة أصابها الجرب وقتلها الجوع في غرفنا الوسخة ،طلقة صوبت الى بلعومه ولم يعرف أحد مصدرها ،لعبة الحرب يقتسمها قطبان النصر والهزيمة ، ولانه مفروض علينا أن نسرق نشوةالنصريجب بعضنا أن يموت .
ان شيئا وحشيا يزعق كالموت فوق رمال الصحراء الهائلة ، ليس فيها غير طوابير من جثث هامدة ، وبرد وشمس خابية تعلن هي الأخرى الحرب على اشكال مصفوفة بانتظام ، كانت قبل ثلاث ايام تتبادل الابتسامات والسكائر والوجبات الرديئة .
لكن الأمر يبدوا مختلفا بعض الشئ مع هذا الجندي ،الذي كان يطلق صفيراً يشبه تغريد البلابل , في الحقيقة هو يطلق أسر هذه العصافير الجميلة المحبوسة في قفصه الصدري ، استمر صفير البلابل ،لكأن الوحي انبت في قلب هذا الجندي المجهول المفاتن السلام ،،فكبر تحت سياط لذة شرف الموت ، طار بجناحين جبارين بعيدا عن الروائح الكريهة ،وتطهر جسده في الفضاء الفارغ ،ما أسعد أن يحلق المرؤ فوق الوجود ،تاركا وراءه السأم والحزن ، ويشرب من الضياء الإلهي اللامع ،ويفهم دون عناء لغة الطيور .
أن المرؤ ليحار حقا في وضعه ،الذي يبدوا على نحو ما غامض ومشوش ،ان شيئا انسانيا خارق للعادة يلمع في سحنته ، يجعل وجههه أكثر صفاء وحديثه اكثر رقة ، يشق طريقه في ممرات ضيقة لتدخل خلسة الى روح رفاقة في المحرس ،هذا الكائن الرقيق الذي سيبقى لزمن طويل، يشغل حيزا كبيرا من ذاكرة اصدقاءه الذين نجوا من المعركة .
قسوة الواجب هي التي ساقته مع القرويين والمزارعين الفقراء الى حظيرة الحرب ، وأطعمته حد الأشباع وجبات متكررة من الذلة ، لكنه الوطن ، ليس كذبة ، هذا الكائن القاسي الذي يشغل حيزا كبيرا في ذاكرة صغيرة متعبة ، لكننا مع ذلك نقول " أن طريقنا للخلاص موجود بلا شك حتى في وطن ظالم "
كان بكررالصفير ، صوتا ملاك يزغرد في الصحراء، يطلقه في وجه الكاّبة والغشاوة والاغتراب ، كي يصد هجوم الأصوات الوحشية الموغلة في هذا المدى الصحراوي الملئ بالتعويذات والخرافات والخطب الدينية .
كلما اتسعت الأمكنة كلما ضاقت النفوس وأنحسرت الارواح ،وهنا في هذا المحرس الذي يضيق بسبعتهم كانت النفوس تتسع بالطمأنينة وتؤازر بعضها من الغفلة ،بداية الحرب بداية الدخول في المجهول ،اي وهج يشعله هذا الوهم ،حيث تبدوا كل الأشكال التي مضت جميلة ومشطوبة من الذاكرة ،أسماء بدون وجوه ، نتعثر بها فنجدها حقيقية ،تنمو ببطء في دمنا ،عذاب الحرب ،لا ...لا ...لا... ،ولكن اي احساس بالحياة امدتنا به هذا الذي يجري .
ابتدأ كلامه قبل ان يضع البارودة الروسية بين فخذيه :
- فجأة اكتشفت ان وضعنا مرتبط بهذه الحرب ..اسألني كيف
سيان اي جواب يكون ، فالتفكير أو عدمه سواء ،فهذا هو اليوم الالف بعد الخمسمئة تفصلهم عن قراهم ، فليس للجواب أهمية ،هذا ما لاشك فيه بالنسبة لزملاءه ، أذ انهم يعرفون كما يبدوا دون ان يجدوا سببا منطقيا لماذا هم هنا في الخندق الاول ،لم تكن رغبتهم في الأجابة بقدر رغبتهم في الكلام ،فقال له احدهم :
-كيف
-ذات يوم شاهدت طائر جريح يحوم في السماء مفجوعا ومرتعشا وجميلا مثل ملاك ، يبحث في بقعة على الارض عن عشه وفي منقاره دودة،يحوم متحديا الالم بأصرار كي يكسب أخر جولة في حياته ويطعم صغاره أخر لقمة قبل ان يموت ؟؟؟؟ لم يشأ ان يكون مهزوما من وحشية الصياد؟؟!!
فاجأهم الجواب ، فهؤلاء جميعا لهم أجوبتهم ،وكلها ذات قيمة ، وأكمل:
-ثم نظرت الى الفضاء من جميع الجهات فرأيت اّلاف العصافير تزقزق وهي تروح وتجئ فأدركت أن العصافير الضعيفة انتصرت على الصياد ...
فجأة خيم صوت أزيز الرصاص على المحرس :
-هجوم ..هجوم
صاحت أصوات من المحرس ، ومن مكان أخر في التلة الأخرى ،كان يقف في المحرس الى يسار قاذف ال ألأر .بي . جي ،كانو يستشعرون أهتزاز الأرض تحت أقدامهم من انفجار قنابل المدفعية ،التي تمهد تسلل الأرهابيين الى المحرس ، كان الأنفجار يهز الارض هزاً، ورأى على مقربة شديدة أعداد هائلة من الأرهابيين تزحف نحوهم ، ورأى أيضأ عيني زملاءه المتسعتين رعباً ، وقد أستولى عليها الذهول والأنسحاق، كأنهم في حلم ثقيل ، بينما يجابهك عدد هائل لايرد .صرخ:
-انسحبوا وانا سأغطي انسحابكم ...
كانت القنابل وصليات الرصاص تتهاوى متلاحقة ، متساقطة حولهم على الأرض ، نزل الى الخندق بينما يتابع أصدقاءه ببصره وهم ينسحبون .
- استلقوا على الأرض وأزحفوا ... بسرعة
ومع الحاح الفكرة على رأسه في وجوب عمل شئ ما ،رفع بندقيته فوق المستر الترابي واطلق صلية رصاص ، ثم ركض كالنصل عير الخندق وأطلق صلية أخرى ،على مبدأ" اضرب واهرب " وهكذا شاغلهم ,راح وجاء وصعد الى التلة فوق المحرس وأطلق صلية عشوائية ، في تلك اللحظة نفذت رصاصة في بلعومه ،فسقط على الأرض وفمه المتحشرج بدأ يغرد بصوت شجي ،لم يشأ ان يكون مهزوما ً، ان طريقأ للنصر موجودا في أكثر المخلوقات ضعفاً ،العصفور ،ان عدم وجود حرب امر هين وسهل بل مقبول يشكل طبيعي ، غير ان نسيان الامر في غاية الحماقة ،وكل هؤلاء الذين يجلسون في المقاهي ويثرثرون في الطرقات  والاسواق لايعرفون شيئا عن الحرب .اذ يبدو لهؤلاء الناس شيئا غير ذات أهمية ، لذا كان عليه ان يموت حد ايقاظ هؤلاء الكسالى الذين يملأون الشوارع ، وربما بموته ود ان يسألهم " هل تعرفون شيئا عن الحرب "

فؤاد حسن محمد- جبلة- سوريا

ليست هناك تعليقات:

آخر الأخبار

3efrit blogger


أنا أبنك ياعراق وعاشگك حد الجنون لو تخون الدنيا كلها لا تظن أبنك يخون . أنا عــراقـي

تابعونا على الفيس بوك


مؤسسة السياب الإليكترونية تجمع ثقافي عربي بلا حدود

هل تعلمين .. وأنا أبحثُ عنّي ؟! كنتِ هنا فأكتفيتُ بأنكِ امرأتي التي حلمتُ بها لأرتديها قصيدة وألوّنها بالحروف . منى الصرّاف / العراق

# إبتسم .. الدنيا متسوه - ما إجتمع أربعة رجال بمكان واحد إلا وكانت النار وراء أفعالهم ! وما إجتمعت ثلاثة نساء بمكان آخر إلا وأحرقنّ الرابعة الغائبة ! منى الصرّاف / العراق

مؤسسة السياب للثقافة والآداب

مؤسسة السياب للثقافة والآداب

كل عام والمرأة اينما كانت بالف خير انتم نحن .. بعيدا عن فوضى الهويات .. نسكن الارض نفسها ونتنفس الهواء ذاته انه التعايش الانساني المشترك .. تجاوزنا حاجز الثقافة واللغة واسسنا لغة الجمال .. ( بقليل من الطين وكثير من الحب هكذا تصنع الاوطان ) منى الصرّاف / العراق

من منّا حين عجزت أدواته لم يحلم بفانوس سحريّ أو بساط طائر لتحقيق أمنياته ليصحو بعد ذلك لعيش قسوة الحياة ، كيف باستطاعتنا الدخول في معركة بمفردنا نعرف سلفا سنخرج منها بخسارة كبيرة ، حتى لو امتلكنا الشّجاعة لمطاردة أحلامنا ، فكيف نصل الهدف دون معرفة أدواته ، فللشجاعة أيضا أدواتها ، حين تكون اليد خالية فأحلامنا سرعان ما تذبل ، أمّا البطولة فهي تحدث فقط ! دون التخطيط لها . منى الصرّاف / العراق من رواية ( للعشق جناحان من نار )

روايتي ( بتوقيت بغداد ) وفي اول طرح لها في بغداد بعد مشاركتها في العديد من المعارض الدولية الصادرة عن دار النخبة في جمهورية مصر العربية ومجموعتي القصصية ( للخوف ظل طويل ) في طبعتها الثانية الصادرة عن دار كيوان في سوريا ستجدونها في بغداد - شارع المتنبي - مجمع الميالي في دار ومكتبة ... ( الكا ) للنشر وبامكان الدار ايصالها لاي شخص يرغب من المحافظات العراقية حين الاتصال بهاتفهم المعلن على واجهتها . الكاتبة والشاعرة منى الصراف

مجلة السياب الليكترونية / قــسم الارشيف

آخر المشاركات على موقعنا

لـــوجـه ابي بقلم الاستاذ الأديب جاسم العبيدي

أهلاً وسهلاً بك أنت الزائر رقم

الصفحة الرئيسية

مـن أجـل سـلامـتـك .... بـس خـليـك بالـبيت 🙆🙋🙇👫

مـن أجـل سـلامـتـك .... بـس خـليـك بالـبيت        🙆🙋🙇👫
نصائح للجميع حول الوقاية من جائحة كورونا: ١- أهمية التباعد الإجتماعي كون فيروس كورونا لم يثبت الى اليوم انتقاله عبر الهواء لذا خليك بالبيت وعند اختلاطك بالناس إحرص ان تكون المسافة بينك وبين الاخرين من متر ونص الى مترين . ٢- غسل اليدين بالماء والصابون بإستمرار ولمدة 40 ثانية عند خروجك من الأسواق والأماكن العامة وتجب ان لا تلمس وجهك أثناء وجودك بالأماكن العامة ، ويفضل عند تواجدك بالأماكن العامة أن ترتدي قفازات عند دخولك البيت يجب وإزالتها . ٣- لست بحاجة إلى ارتداء الكمام الطبي إلا اذا كنت تعاني من العطس او عندك شكوك أنك مصاب بفيروس كورونا ، ولكن يفضل إرتدائها عندما تكون في الأسواق والأماكن العامة حتى تتجنب لمس وجهك دون إدراكك على أن يتم رميها والتخلص منها قبل دخولك البيت وانتبه أن تكون إزالتها عن الوجه بالطريقة الصحيحة حتى تتجنب ملامسة اليد لها وذلك عن طريق رفع الخيط المتصل بالأذن اليسرى بإستخدام اليد اليمنى وسحبها باتجاه الإذن اليمنى أو العكس بالعكس دون ملامسة الوجة الخارجي للكمامة. ٤- إحرص على غسل مقابض أبواب البيت الرئيسية بالماء والصابون عند دخول أي فرد من أفراد العائلة.

About the site to your language

مساحة إعلانية

شروط النشر في مجموعتنا على الفيس بوك

1- يمنع منعاً باتاً مشاركة المنشورات والفديوات في النشر ولوحظ بعض المسؤولين والمشرفين بممارسة هذة الممارسه الخاطئة للاسف يمنع منعاً باتاً منح الموافقات للمنشورات الطائفية والتي فيها تجاوزعلى الذات الالهية والرموز الدينية والتاريخية ومنشورات الاعلانات التجارية 2- يمنع نشر بطاقات التهنئة للمناسبات الدينية والوطنية وتحية الصباح والمساء الامن قبل رئيس مجلس الادارة ومدير التحرير للمجلة ومن ينوبهما فقط 3 -تحدد المنشورة بمنشور واحد فقط للعضوا في اليوم اعتباراً من هذا اليوم1تموز2017 واثنين للمسؤولين والمشرفين تقديراً لجهودهم على الجميع الالتزام بما ورد اعلاه مع الشكر والتقدير للجميع . الاستاذ الأديب الشاعر ماجد محمد طلال السوداني مستشار مؤسسة مؤسسة السياب اليكترونية للادب والثقافة والمشرف الاداري العام للمؤسسة والمسؤول عن تنفيذ سياستها

مساحة إعلانية

مؤسسة السياب للثقافة والآداب للمزيد من المعلومات والاستفسار الإتصال بنا على الهاتف مراعاة الرمز البلد(العراق) 00964 07803776116

تــــنويــة

كاريكاتير اليوم

كاريكاتير اليوم