تزلف (قصة قصيرة) بقلم: الاستاذ فيصل سليم التلاوي

. . ليست هناك تعليقات:
 تزلف (قصة قصيرة)
بقلم: فيصل سليم التلاوي

همس في أذني وهو يحاول جاهدا أن يلملم نفسه، ويصلح بعض ما اعترى هيئته وسحنته المقلوبة لدى خروجه من مكتب المدير بعد أن أدى واجب الولاء والطاعة الصباحي :
- يا أخي ، أي تبدل هذا الذي أصاب مديرنا ؟ وهل تفعل الكراسي فعلها في الناس إلى هذا الحد من التعالي والتكبر ؟
أتذكر أيامه الأولى في الإدارة؟ تبكيره إلى الدوام، حضوره الدائم لطابور الصباح،تجواله في الساحة، وبشاشته التي تسبق مبادرته بالتحية لكل من يقابله . ألا تلاحظ معي كيف تحول إلى شخص عبوس متعجرف، يتسمر طيلة النهار وراء مكتبه، وقد يرد نصف التحية التي تلقيها عليه أو لا يردها مطلقا، يكتفي بإيماءة من رأسه، وربما ضلت رؤوس أصابعه طريقها إليك وهو في غفلة عنك ، قلت :
- يا صديقي أنا ألاحظ كل شيء، وإن كنت لست طرفا في أي شيء، فأنا لم أشارك في أي من المراسم التي اشتركتم جميعا في صياغتها، وإن كنت أحصيها عليكم عدا، وأنتظر بفارغ الصبر يوما تحصدون فيه ما زرعتم . ودهش صاحبي من هذا التشفي وقال :
- وما الذي زرعناه حتى نستحق أن نحصد هذا الزُوان ؟ قلت:
- عندما بدأ نشيطا حيويا يستشيركم في كل صغيرة وكبيرة، من منكم جرؤ على إبداء رأي ناصح أو وجهة نظر مغايرة لرأيه من بين تلك الآراء التي كنتم تتداولونها همسا فيما بينكم ؟ من منكم لم يكن ظلا له ؟ يقف خلفه ، يجترح له المزايا ويؤمن على ما يقول ؟ :
ألم تتصدوا بأغلبيتكم فتخمدوا كل صوت جاهد أن يقترح أمرا لم يتفتق عنه ذهن المدير؟
أما كان يمر عليكم محييا حيثما كنتم منتشرين في طابور الصباح، فأبيتم إلا أن تصطفوا عند باب المدرسة على مرأى التلاميذ والمارة انتظارا لمقدمه، فتتسابقوا للظفر بتحيته والسلام عليه؟ ولعل تكرار هذا المشهد بات يحرجه فصار يبكر إلى مكتبه ولا يغادره إلا بعد انتهاء طابور الصباح. و ما نجّاه تمترسه خلف مكتبه من تقاطركم عليه تباعا لتقديم تحية الولاء الصباحي، حتى بعد أن دفع بدفتر الدوام إلى مكتب وكيله .
هل كان في أيامه الأولى يكتب اسمه ويوقع إلا وقت حضوره الفعلي، وحيثما كان ترتيبه بين الحاضرين ؟
هل طلب من أحدكم يوما أن يفرغ له السطر الأول دائما يملؤه متى حضر؟ أم أنكم دفعتم بأنفسكم طوعا خطوتين إلى الوراء، عندما جعلتم من تقاليدكم المهنية العريقة أن تفرغوا مكان الصدارة لمديركم ثم لوكيله ليوقعا متى حضرا، وبذلك أعنتموهما على التراخي، وزينتم لهما الانفلات والتهرب من ضوابط نظام الدوام .
هل طلب منكم يوما أن يكون ترتيب أبنائه الأوائل على صفوفهم في جميع المواد ؟
أم أن ذلك كان هدية طوعية منكم لتنالوا الحظوة لديه، ولتقربكم إليه زلفى؟ بينما نظرات الطلاب المستهجنة تنغرز في عيونكم، وهمساتهم اللاذعة توسعكم اتهاما بالمحاباة والتزوير وهي التي تعرف التلاميذ السباقين في فصولها .
وجم صاحبي وكأن على رأسه الطير، وهو يستمع لي وأنا أقلب له تلك الصفحات من الخنوع التي مهدت لمديرنا الطريق ليصل إلى ما وصل إليه من تعالٍ . ثم سألني متعجبا :
- وهل كنت تتابع منا كل ذلك وتحصي علينا أنفاسنا ونحن نظنك لا تبالي بشيء وأنت غارق في صمتك الدائم ؟
- يا عزيزي، لووجد فيكم نفعا لانتفع بكم، ولو وجد بينكم صوتا جريئا محاسبا لاستمرت أحواله في اعتدال، ولو وجد بينكم منافسين في الرأي والفعل يمكن أن يلفتوا نظر المسئولين لجدهم واجتهادهم، ويمكن أن يزاحموه بكفاءتهم على كرسي الإدارة لاضطر أن يظل منافسا بتحسين أدائه وخدماته. لكنه وقد أمن جانب المنافسة واطمأن إلى وجود فريق متكامل من المتزلفين المتسترين على كل سوءة والمبررين لكل هفوة، فلماذا لا يزداد غطرسة يوما بعد يوم ؟
- ونظل معه على هذا الوضع الذي آلت إليه حالنا أم نجدُّ في البحث عن مكان عمل جديد ؟
- بل تظل مكانك مُعلقا في المكان الذي علّقت فيه أنت وزملاؤك أنفسكم، حتى يهوي الكرسي بصاحبه ذات يوم، فتشمتوا ما شاء لكم أن تشمتوا، وتنطلق ألسنتكم التي بلعتموها دهرا، لتزيح الغطاء عن قمقم الكبت والقمع الذي حبستموها فيه طويلا، فتميط اللثام عن كل القبح الذي سكتم عليه أمدا طويلا، بينما يباغتكم واحد منكم، يتسلل من بين صفوفكم وأنتم عنه في غفلة، فيثب ويتبوأ الكرسي الذي خلا، وينصب نفسه مديرا جديدا وتعودون لسيرتكم الأولى .
- أإلى هذا الحد أنت يائس منا يا رجل؟ ومن إمكانية صلاح أحوالنا ؟
- لو كان الحال الذي وصفته لك متعلقا بشؤون مدرستنا وحدها لهان الأمر، لكنني أراه في كل مكان قرُب أم بعُد، وفي كل مؤسسة صغرت مكانتها أم كبرت .
وبينما كان صاحبي يُطرق عابثا بلحيته وهو يتجرع على مضض كلماتي التي كان لها وقع تساقط الحجارة في أذنيه، كان غيره من المدرسين يمر بنا ميمما وجهه صوب باب الإدارة مسابقا غيره مشيحا بوجهه عنا مخافة أن نستوقفه أوتعيقه تحيتنا، فيقرع جرس الحصة الأولى ويحرمه من التشرف بتقديم مراسم الطاعة الصباحية، أو يرغمه على تأجيل ذلك ولو إلى حين .

فيصل سليم التلاوي



ليست هناك تعليقات:

آخر الأخبار

3efrit blogger


أنا أبنك ياعراق وعاشگك حد الجنون لو تخون الدنيا كلها لا تظن أبنك يخون . أنا عــراقـي

تابعونا على الفيس بوك


مؤسسة السياب الإليكترونية تجمع ثقافي عربي بلا حدود

هل تعلمين .. وأنا أبحثُ عنّي ؟! كنتِ هنا فأكتفيتُ بأنكِ امرأتي التي حلمتُ بها لأرتديها قصيدة وألوّنها بالحروف . منى الصرّاف / العراق

# إبتسم .. الدنيا متسوه - ما إجتمع أربعة رجال بمكان واحد إلا وكانت النار وراء أفعالهم ! وما إجتمعت ثلاثة نساء بمكان آخر إلا وأحرقنّ الرابعة الغائبة ! منى الصرّاف / العراق

مؤسسة السياب للثقافة والآداب

مؤسسة السياب للثقافة والآداب

كل عام والمرأة اينما كانت بالف خير انتم نحن .. بعيدا عن فوضى الهويات .. نسكن الارض نفسها ونتنفس الهواء ذاته انه التعايش الانساني المشترك .. تجاوزنا حاجز الثقافة واللغة واسسنا لغة الجمال .. ( بقليل من الطين وكثير من الحب هكذا تصنع الاوطان ) منى الصرّاف / العراق

من منّا حين عجزت أدواته لم يحلم بفانوس سحريّ أو بساط طائر لتحقيق أمنياته ليصحو بعد ذلك لعيش قسوة الحياة ، كيف باستطاعتنا الدخول في معركة بمفردنا نعرف سلفا سنخرج منها بخسارة كبيرة ، حتى لو امتلكنا الشّجاعة لمطاردة أحلامنا ، فكيف نصل الهدف دون معرفة أدواته ، فللشجاعة أيضا أدواتها ، حين تكون اليد خالية فأحلامنا سرعان ما تذبل ، أمّا البطولة فهي تحدث فقط ! دون التخطيط لها . منى الصرّاف / العراق من رواية ( للعشق جناحان من نار )

روايتي ( بتوقيت بغداد ) وفي اول طرح لها في بغداد بعد مشاركتها في العديد من المعارض الدولية الصادرة عن دار النخبة في جمهورية مصر العربية ومجموعتي القصصية ( للخوف ظل طويل ) في طبعتها الثانية الصادرة عن دار كيوان في سوريا ستجدونها في بغداد - شارع المتنبي - مجمع الميالي في دار ومكتبة ... ( الكا ) للنشر وبامكان الدار ايصالها لاي شخص يرغب من المحافظات العراقية حين الاتصال بهاتفهم المعلن على واجهتها . الكاتبة والشاعرة منى الصراف

مجلة السياب الليكترونية / قــسم الارشيف

آخر المشاركات على موقعنا

لـــوجـه ابي بقلم الاستاذ الأديب جاسم العبيدي

أهلاً وسهلاً بك أنت الزائر رقم

الصفحة الرئيسية

مـن أجـل سـلامـتـك .... بـس خـليـك بالـبيت 🙆🙋🙇👫

مـن أجـل سـلامـتـك .... بـس خـليـك بالـبيت        🙆🙋🙇👫
نصائح للجميع حول الوقاية من جائحة كورونا: ١- أهمية التباعد الإجتماعي كون فيروس كورونا لم يثبت الى اليوم انتقاله عبر الهواء لذا خليك بالبيت وعند اختلاطك بالناس إحرص ان تكون المسافة بينك وبين الاخرين من متر ونص الى مترين . ٢- غسل اليدين بالماء والصابون بإستمرار ولمدة 40 ثانية عند خروجك من الأسواق والأماكن العامة وتجب ان لا تلمس وجهك أثناء وجودك بالأماكن العامة ، ويفضل عند تواجدك بالأماكن العامة أن ترتدي قفازات عند دخولك البيت يجب وإزالتها . ٣- لست بحاجة إلى ارتداء الكمام الطبي إلا اذا كنت تعاني من العطس او عندك شكوك أنك مصاب بفيروس كورونا ، ولكن يفضل إرتدائها عندما تكون في الأسواق والأماكن العامة حتى تتجنب لمس وجهك دون إدراكك على أن يتم رميها والتخلص منها قبل دخولك البيت وانتبه أن تكون إزالتها عن الوجه بالطريقة الصحيحة حتى تتجنب ملامسة اليد لها وذلك عن طريق رفع الخيط المتصل بالأذن اليسرى بإستخدام اليد اليمنى وسحبها باتجاه الإذن اليمنى أو العكس بالعكس دون ملامسة الوجة الخارجي للكمامة. ٤- إحرص على غسل مقابض أبواب البيت الرئيسية بالماء والصابون عند دخول أي فرد من أفراد العائلة.

About the site to your language

مساحة إعلانية

شروط النشر في مجموعتنا على الفيس بوك

1- يمنع منعاً باتاً مشاركة المنشورات والفديوات في النشر ولوحظ بعض المسؤولين والمشرفين بممارسة هذة الممارسه الخاطئة للاسف يمنع منعاً باتاً منح الموافقات للمنشورات الطائفية والتي فيها تجاوزعلى الذات الالهية والرموز الدينية والتاريخية ومنشورات الاعلانات التجارية 2- يمنع نشر بطاقات التهنئة للمناسبات الدينية والوطنية وتحية الصباح والمساء الامن قبل رئيس مجلس الادارة ومدير التحرير للمجلة ومن ينوبهما فقط 3 -تحدد المنشورة بمنشور واحد فقط للعضوا في اليوم اعتباراً من هذا اليوم1تموز2017 واثنين للمسؤولين والمشرفين تقديراً لجهودهم على الجميع الالتزام بما ورد اعلاه مع الشكر والتقدير للجميع . الاستاذ الأديب الشاعر ماجد محمد طلال السوداني مستشار مؤسسة مؤسسة السياب اليكترونية للادب والثقافة والمشرف الاداري العام للمؤسسة والمسؤول عن تنفيذ سياستها

مساحة إعلانية

مؤسسة السياب للثقافة والآداب للمزيد من المعلومات والاستفسار الإتصال بنا على الهاتف مراعاة الرمز البلد(العراق) 00964 07803776116

تــــنويــة

كاريكاتير اليوم

كاريكاتير اليوم