ثلاثة رقم طينية
قصة قصيرة
نص عراقي مشفر ، نشرعام 1996في جريدة (الزمن) لصاحبها داود الفرحان نائب نقيب الصحفيين انذاك عدي صدام حسين . وقد نال اهتماما واسعا بين الادباء انذاك . ثم
نشرت ضمن المجموعة القصصية ( الجذور المتوحشة) الصادرة عام 2000
الرقـيـم الثالث :
ــــــــــــــــــــ
كلّفت " قرينتي " وهي " متعلّمة "ــ ما شاء الله على التربية والتعليم ــ أن تبيع آخر مقتنياتنا ، فليس من اللياقة أن أبيع حاجاتي بنفسي .
فعثرت الزوجة على مشتر نموذجي ، جاري النازح توا إلى المدينة : و يطمح أن يبدو متحضرا . فابتاع بذلاتي و عددا من القمصان و ربطات عنق بطل موديلها .
حتى أن جاري ــ ذات يوم ــ تفاقم طموحه ، و أغراه أن يفاتحني بشراء بيتي .
ذات يوم نحس ، نقبت عن الربطة " الفرنسية " ، وهي هدية من صديق ، و أثيرة لدي ، اعتدت ــ يوم أن كان لدي قمصان ــ أن ارتديها في مناسبات عزيزة . فلم اعثر عليها و لذا سألت :
ــ أم جنان .. هل وقعت عينك على ربطتي الفرنسية ؟
و اتضح أنها ناسية حتى شكلها : ربطة رصاصية ، طالما حدثتها عن أصلها و فصلها .
ثم .. ذات يوم ــ ياله من يوم مشؤوم ــ وجدت نفسي أمعن نظري بسخط لبقرة جاري ، التي طالما سلبتني نِعمة النوم ، بخوارها المتواصل . فلاحت لي ربطة عنقي ، معقودة بقائمتها الأمامية ، ضمن خرق مضفورة .
ما الذي أفعله؟ هل يمكن لربطة عنقي الأثيرة ، التي طوّقته بعشق و رفقة مشرفة ، أن تتعانق مع ظلف بقرة ؟
فكيف هو الأمر ؟ هل أفعلها كما فعلها جدّي؟
آنذاك.. ابتسم لي الشيطان وقال:
- افعلها .
وهويت بصخرة على ظهر البقرة . وكانت حصيلة المعركة : إجهاض البقرة .كذلك إصابتها بأضرار ليست هيّنة . وأفرز الحدث انكسارا حادا بمعنويّاتي .
بعد يوم عكر ، احتدم بالمفاوضات، و تهديدات جاري ، المتعكز على " تكيته "من " الأصول و الفصول "وجدت لأول مرة ، سخف كفري بنواميس العشيرة.
وحسب رؤيا جديدة ، تفتق عنها عهد جديد من المفاهيم ، فقد " خلّفت غاشية ( الثقافة)ورائي وأتيت أقبس جمرة ( أجدادي ) " .
وسألت أبناء عمومتي عن حقوقي ، جراء الإهانة التي ألمّت بربطة عنقي .
وبعد أن تأنى كبيرهم ، ونفث من صدره ــ الأثير بالحلول ــ سحابة مدلهمّة من دخان غليونه .. سألني :
ــ با ينباغ؟(3)
قلت:
ــ نعم باينباغ.
قال:
ــ يا صبري أفندي .. هنا لا نقيم وزناً للباينباغ .
قلت :
ــ ياعم .... المشكلة وما فيها ...
قاطعني بكلمة هادئة :
ــ من تخلّى عن كوفيته و عقاله ، لا يحق له أن ينتسب إلينا .
حاولت الدفاع عن موقفي وقلت :
ــ أرجو أن تسمع ابن أخيك ...
قال بفارغ الصبر :
- أنت منذ أن طوّقت عنقك بالخرقة الملعونة ، منقطع و كافر بأهلك .
قلت يائسا :
ــ يا عم .. أنتم أهلي و ملاذي .وعدتي و عتادي .
فلم يجب بل شرّفني بظهره ، وعدت أجرجر قدمي ، خطوة ، خطوة . مضنيا فكري من خلل لا يسع حجة واحدة : هل سعيت بخطوي إلى حتفي ؟
هل اقتربت من ساعة بيع البيت ؟ لأعوّض حماقتي و قلّة ذوقي مع البقرة ؟
وأني.. أشرفت على أبواب صراع مجهول ، يقتضي ، جولة قتالية ، لا تؤمن بمفاهيمي السابقة .. فاصلها ثلاثة أيام .. لحمتها و سداها : كبش درفندش ، و كبش درفندحش . والثنائي : سلالة أبطال النواميس : جحش و خضرة .
وأنا بحاجة إلى أداة ، أشحذ سلاحي المثلوم . ولساحة قتالية " مسلفتة ".يقتل و يجرح فوق بلاطها ، من جانب الخصم ما يعلمه الله يقابله من المع أبناء عمومتي حصيلة لما يجنى من الأسلحة الثقيلة المتماشية مع سمة الحروب العصرية . لتقديم رقابهم نذرا لكرامة " باينباغي العتيد ".
كل ذلك ينتهي بسقف يوم و ليلة. يعبق بزفرة محببة للحم الدبساء الملساء .بكامل عظامها و شحمها . في وليمة دسمة . أقف ساعتها ، متسربلا بثوب فضفاض ، ناصع البياض ، أحبكه بحزام جلدي ،يتدلّى منه " ورور"(4).
و أردد خلالها دعوة حارة لأبناء عمومتي :
ــ يا أبناء العم .. يا حزام ظهري . يا نور دربي .. كلوا و اشبعوا و تجشؤا.
وختاما ، فقد توصلت إلى ضرورة القفز بأي اتجاه ، من فوق بؤسي و يأسي .. كرجل و حيد ، منقطع عن اصطفاف عشائري حقيقي ,إلى قرار متكامل ، محبوك بخيوط " ورديّة ".
لذا.. قررت .. مع سبق الإصرار.. أن أقايض جاري و أقبل بإغراءاته .
نعم .. هكــــــذا..
وأفعلها لأبناء العم.. ليلة تفوح برائحة لحم الدبساء المطبوخة جيدا. في توجه جدّي.. لعقد تحالف مصيري ، و أخاطبهم :
ــ كلوا و أشربوا و تجشوا.
وحينئذ أسير على أرض صلبة ، لشراء كوفية و عقال، و مقتنيات تظهرني بالمظهر الذي يرضي أبناء العم .
خطوة أخرى أعلنها .. من أجل المصالحة الأخوية، و لنبذ ماضي المدينة ،و أزقّتها النتنة، لحاضر بملامح " مملّحة ".
: وحيث أن أسم " صبري " عملة متدنية .. فإني أعلن اللاّ عودة إليه.
وأقرر: قرارا قاطعا ، و بوعي كامل .. بالطلاق منه ، طلاقا خلعيا ، لا رجعة عنه .
وأعلن : اقتراني بواحد من ثلاث .. درفندش ، درفندحش ، جحش .
موسى غافل الشطري
1996
درفندش:جملة من جمل ألأعثار اللفظي يستخدمها الريفيون للمزاح .(1)
) هترل: هكذا يلفظ الريفي ، آنذاك اسم هتلر 2)
)جحش وخضرة: هي من أسماء صغار الحمير و انثاه. 3)
4 باينباغ: ربطة العنق)
(5) ورور : مسدس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق