قصة قصيرة منقحة
هجرة الطيور
من مجموعة (ذات الإطار الأبنوسي)
المقطع الثاني
في اليوم التالي شاهَدتُ سمير في المدرسة يقف أمامي مبتسما بحياء ، كأنه يعتذر عمّا حدث . كنت قد ابتسمت له ، فشجعته أن يضع يده على كتفي و يكلمني كلمات ودِّية .
قال:
ــ هل أنت غــاضب؟
فحرّكت رأسي نافيا
عندما غادرنا المدرسة معا ، مشينا عائدين إلى البيت ،كنّا قد بلغنا بيتهم فقال لي بحياء :
ــ أن أمّي راغبة أن تعتذر منك .
قادني طاويا ذراعه على كتفي . فوجئت بابتسامة الأم الرقيقة وهي تقودني داخل البيت و تحتضنني . جلست على الأريكة وطوّقتني بذراعيها وهي تقول داغمة الراء كأنها تناغي طفلا مدللا :
ــ أيها الصبـــــــــي الرقيـــــــــق ...
ضَغَطَتْ جسدي الصغير على صدرها .كان صدري يتوسد ثدييها ، و خدّي يتوسّد تلك البقعة العارية من صدرها . ووجهها ـ الذي يذكّرني بصور السيّدات المرموقات ـ يطل على وجهي .
ذكّرني ذلك بأخي الصغير ، غير الشقيق ، وهو يرضع أمّه .
قالت أم سمير :
ــ ماذا قلت لأمك عني ؟
قلت بصوت واطئ:
ــ إنها ميّتة منذ صغري .
شدّدَتْ بضغطي على صدرها ، كأنها تواسيني . مسحت برفق على رأسي ، وهي تلصق خدّها على شعري . كانت تبدو مثل الأم ، هكذا تخيّلتها و تمنّيتها . ثمّ وهي تحاول أن تعثر على شيء يحسسني بتعاطفها معي . كنت أحس أنها تمتلئ بمشاعر تجيش في صدرها قالت :
ــ أتُريد أن أشذب شعركْ؟
وافقتها . أتت بالمشط و مقص الخياطة . بعد أن شذّبت شعري الذي كاد يسترسل على كتفي ،جمعته بيدي ووضعته في كيس الورق ، و خبّأته في ذلك الشق الجداري .
واظبت على اصطحاب سمير إلى بيته، وبقيت أتعرّف على كل صغيرة وكبيرة ممكنة .
أوّل ما شغلني وأثار فضولي : ذلك القفص المزدحم بالطيور . وقفت حذاءه وأنا منشدا لتلك الحركة . ذكّرتني تلك الطيور بعائلة ينحصر صخبها في بيتها . وفجأة يعلن صوت إحداهن الذي بدا لائذا في آخر القفص . كان يبدو ذا ولع بإصدار تحذيره للجميع ، ثم يتزحزح نحو الزاوية و يصمت .
تجمعت أعداد كبيرة من العصافير بين الأغصان العالية ، ملقية بنظراتها العجولة على القفص. لاحت مناقيرها ذات بأس . ثم حلّقت كأن أجنحتها تستعرض سطوة اندفاعها . عادت بعضها قافزة بتكاسل . أحيانا .. يستثمرن غياب الجميع فيهبط بعضهن بحذر ، ويلتقطن الطعام الذي تناثر قريبا من القفص ثم يحلقــــــــن. فيما يواصل الطير المنزوي في الداخل زعيقه محذّرا طيوره التي بدت كما لو أنـــــها تبتعد عن واجهة القفص . لاحظ سمير ما يجري . أراد أن يفاجئني بقوله :
ــ أتعلم شيئا عن أسماء هذه الطيور ؟ قلت:
ــ أي أسمــــاء؟
ركض باتجاه الغرفة وعاد بدفتر فتصفحه و توقف عند أحد الصفحات وقـــــــال :
ـــ أتشـــاهد ذلك المنزوي ؟ أنه يشبه جدّي سلمان . فأسميته باسمه . فهو الأب للجميــــع . أمّا هؤلاء .. فهما وديع و سامي . وذلك مراد . وظلّ ّيعدد الأسماء و أنا أضحك.
قال :
ــ لماذا تضحك ؟ أنا لا أكذب . إنّهن شبيهات بهم. إنهن يخشينّ .الاختلاط بعصافير الشجرة كحالهم مع لآخرين . قلت:
ــ ألا يطمحن بالتحليق بعيدا مع العصافير ؟ ألا يبتعدن إلى الحقول و الأهوار ؟ نظر إلى وجهي بنظرة مرتابة و قال: ــ يحلّقن؟ أي تحليق تريدهن أن يحلّقن؟ إنهن لا يلائمهن سوى مكوثهن في القفص . وإلاّ مُتْنَ هلعا . فأمي تقول : أن ألقفص قد اختير لهن مصيرا . اقتربت أم سمير . فتحت نافذة القفص ، ودفعت بإناء الماء و الطعام و أغلقتها .
قالت الأم بصوت آمر : ــ ألا تودّان أن تذاكرا دروسكما في المقصورة ؟
تسلقنا السلّم إلى هناك ، فوجئت بأخت سمير وقد هيّأت الدمى ،ودعتني للعب . وضعت الدمى الصغيرة أمام دميتي الأم والأب ولعبنا . لم يدم ذلك طويلا ،لأن سمير سحبني و أطلق تحذيره لشقيقته. بدأت الأخت تعنّفه وهو صامت. بعد أن انهينا تحضيرنا هبطنا إلى فناء البيت وشاهدنا صخب العصافير فوق الشجرة كأنّها تناكد طير القفص .شاهدنا عصفورة طليقة قي وكرها تعس لفراخها .
يتبع
موسى غافل الشطري
3/آب / 2005

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق