المقطع التاسع
رواية ( الياقوتة السوداء )
موسى غافل الشطري
لم تتوقف الزوجة الكبيرة عن رعايتها لشِمْران ، حاله حال ولدها. بل كان مدللها الذي لايجارى . و ما يحدث له من ارتكاب هفوة تغيظ أخاه ، ربما يرتكب خطأ لا قيمة له ، و يتعرض بسببه للعقاب فيلجأ إليها فتلقي بجسدها فوقه لكي لا يتعرض لأقل أذى . حتى لو أمعن الشيخ حرب وعرّضها لقسوة الضرب الذي تناله دون مبرر . ما يستدعي أن ينخرط شِمْران بالبكاء وهو يراقب الخيزران تهبط بعنف على جسدها.. بل أحياناً : ما إن تسمع ( شهد) بـزوجها ( حرب) يحاول ضرب أخيه ، فإنها سرعان ما تهرع إليه و تخفيه في مكان ما . وليته ضربه ، لكان ذلك أهون بكثير من تهديده بالضرب . فقــد ترك هذا التعامل المزدوج معه بين حنان زوجة أخيه و قسوة حرب ، أثره المؤثر في حياته اللاحقة . هذه الحالة طالما تتراءى قسوتها لشمران. و تصيبه بكوابيس عند غفوته .
و تتحمل ( شهد ) كل عنف حرب بصمت ، وهي مواظبة على متابعة أُمور البيت. لذا هي تحظى بصلاحيات تبيح لها أن تهيمن على نسائه الأخريات. عــدا (صفية) الحضرية التي أفرد لها بيتاً يسمى ب( القصر) ملاصقــــــاً لدار العيال .. وما عداها تخضع إلى سطوة الزوجة الكبيرة. وهي سطوة لا تتسم بالعنف بل باللوم الشديد إن اقتضى الأمر أو التوجيه و النصيحة . و هي المشرفة على محتويات بيت العائلة من طعام و حاجيات أُخرى .و هي التي توزع الطعام على أفراد البيت دون تمييز .
وأمر الخشية و الهيمنة من قبل الشيخ ، أمر لا يمكن التساهل فيه . فالجميع يجب أن يكونوا خانعين مطيعين .
فقط واحدة من زوجاته اسمها ( صبريه) ، وهي تتسم بملامح جميلة توحي بالصلابة ، و ذات بنية جسدية متميزة . وتنم ملامحها على عدم اكتراثها بتهديده أو ضربها . و هي تتعمد أن تكون ذات قدرة على تحمل عنفه و مواجهته . و تقول له ما يدور بخلدها دون خشية من عواقب قد تعرضها إلى الضرب المبرّح . حتى لو كان ذلك يؤشر من طرف خفي إلى فضح سلوكه الذي هي على دراية فيه . وهو يدرك ما ترمز إليه ، فينهال عليها ضرباً بكل ما أُوتي من قوّة و غضب. وكانت نسوته حينذاك يختفين في غرفهن في حالة من الهلع و الخوف .
لذلك حتى لو أن الشيخ ( حرب ) قد دخل فجأة إلى الدار فإن دخوله المفاجئ يستلب اللب ، و يُرسّخ باستمرار فـــي ذهنية شِمْران ، دون أن يدرك مثل هذه الأسباب : من إن قدرة أخيه التي يمتلكها معه ، إنما هي ظاهرة تشــــمل تهيبه في الكلام و السطوة أمام الرجال دون النساء . ففي ذهنه أنه يتجرأ على الكلام أمام أية امرأة دون حرج لكنه لا يحسن بهذا الأمر أمام الرجال وبالأخص أقران أخيه . و يتلعثم أمامهم مما يُعرّضه إلى التوبيخ و العقاب من أخيه .
في أيام طفولة شمران وعلى جانب مضيف أخيه الشيخ حرب عندما يخلو من جلسات تناول القهوة ، أو وجود ضيوف. يتخذون لهم مجلساً من الربعة المترامية و التي تحيط بها بيوت القرية. وتحاذي المربط المهيأ لخيول الضيوف على الجهة اليمنى من المضيف و أثناء الليالي المقمرة.هناك يلهو مع الصبية ، في ألعاب يقترحها هو و قريبه و حبيبه ( بدر ) الذي كان يرافقه كظله .
و في طفولتـــه ، إبان تزعمه للأطفال أحيـاناً يقسو على البعض لأتفــه الأسباب . دأب أن يُلْزِمْ الصِبْية على المباراة بعيدان القصــب التي يشرعون بوضعها بين سيقانهم ، و يمسكون بها و هم يقلدون صهيل الخيول و يتسابقون ليتضح من هو الذي يسبق .
كان شمران يتحمّس لأقصى حد أن يفوز عليهم . إنه يود أن يكون دائماً في المقدمة . إذ يحس بشيء غامض يشعره : بإن هناك ضرورة لكي يكون في مقدمة الفائزين .
* * *
لا يغادر ذهن شمران مرحلة طفولته. فهو يحتفظ بما يحدث ، وله علاقة بحياته . إن كان مفرحاً أو محزناً . و كذلك في علاقته مع قريبه ( بدر ) و بقية أقرانه في اللعب .
أو ما تُضايقه من أحداث عنيفة في البيت ، فيدعوه إلى الحزن العميق حينما تتعرض العائلة أحيانا إلى عراك داخلي لما يمارسه ( حرب ) ضد إحدى زوجاته .
و لم يفترق( بدر) منذ طفولته عن رفقة شمران . كان الوحيد الذي يرافقه إلى حوش العيال . حين تَلمُ به انتكاسة بسبب تأتأته في كلامه. الذي طالما يلجأ الأطفال إلى الضحك فيضطر أن يقسو عليهم . ثم يحتضنه ( بدر) بكل حنان و يذهب معه إلى الحوش . في حين تخفف زوجة أخيه الكبيرة من استيائه ، مما هو عليه . فتذكره بمحبة بدر و كذلك أصحابه .
يتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق