مقطع من رواية ( ليل معدني) نوفيلا
صفحة 49
موسى غافل الشطري
كتبت عام 1996 و منعت من النشر من قبل الرقيب في دار الشؤون الثقافية آنذاك. ثم نقحت و طبعت الطبعة الاولى عام 2010
* * *
لاحت الأم متربعة على بساط شرقي وبجانبها ولدها الصغير الذي ضايقته الكاميرا . فلاح أشبه بفرخ سنجاب محاصر. في حين يطوّح جاسم بذراعيه ، تطويحا أخرقا ، محاولا أن يربت على رأس الصغير. ثم لاح مقدم البرنامج ، يقترب بيده. ليمس ويداعب فيها ظهر جاسم الذي جامل مقدم البرنامج بتقبل ذلك. لكنه رغم محاولته ، أن يرتبط بآدميته. فلم يفلح وبدا منظره منفرا و مريعاً.
و في مجرى حديثه ، قام المراسل واحتضن جاسم ، مبدياً أقصى ما يستطيع من اظهارتضامنه معه ، فانحنى وقبل يده ، اقتداء بتقاليد مبدأ اظهار احترام ذوي المنزلة الكبيرة في بلد جاسم . وخاطبه وعيناه على الكاميرا :
ــ لا أدري يا جاسم، لماذا تذكرني بالنبي يحيى والسيد المسيح و الإمام الحسين ؟ قبّلت يدك لكي أثبت آدميّتي امام غلبتك . أيها التجربة التي أخفق صانعوها أن يرتقوا عن أدنى مستوى لآدميتهم .
بالتأكيد .. سيكون تفاهمي معك – أنا الأمي بطلاسم فجيعتك . القاصر عن فعل أي شيء، إصراراً على اعترافي بحقك كمستلب – إنه تفاهم صعب غاية الصعوبة . ولكني أدرك حراجة موقفك وبلواك .
ربما سأُتسبب بإحراجك أمام الكاميرا الفضائية . ولكن لتملأ قلبك الثقة : إن قضيتهم معك باطلة و متهالكة ، وانك فيها أنت المُنتصر.
إن العالم المتحضر يا جاسم ، وحتى نصف المتحضر، سيشاهدك تماماً، كقضية هي أكبر من كونها محنة إنسان. وسيتبحر في نتائج نشاطات صناع الحروب.
لسوء حظ العالم : أنه سيكون أمام ظاهرة غير مشرفة ، ومن غير المتوقع أن ينهض فيها لصالح أي من الحق أو الباطل . من الشر أو الخيرٍ.
في السابق ، حدث العديد من التحريض لصالح قضية الإنسان واستنهاض همة ضميرالرأي العام العالمي لكبح جماح القتل و الخراب . وكانت تلك من المقدرة ، ما لم تستطع قوى الشر أن توقف انتصارها . ولكن العرف الذي طغى الآن ـ رفض فرض المطالب بالعنف ـ كانت هناك قوى تؤمن بأحقية الإنسان المرتهن إلى معضلة : له الحق أن يطلب نصرتهم , وفي العديد من القضايا العادلة .. أُرغم الطغاة على الامتثال إلى إرادة قوى الخير لنصرة المظلوم .
بالأمس القريب وقفت الإنسانية إلى جانب (جان دارك. وقضية باتريس لوممبا و جيفارا و نلسون مندلاّ) . لكن أنت يا جاسم القضية الوحيدة الخاسرة تماماً في العالم .. أنت حتى هذا اليوم تُطحن بين فكي رحى ، و تستغل قضيتك من أجل التسلية ، بين هذا و ذاك . ولم تبق لوحدك اليوم . فالمولعون بهكذا نجاحات لوّنوا من نماذجهم، المشوّهة والممسوخة . وتنوعت مقابح المآسي .
أقول لك بعظمة لساني يا ضمير العالم :
ــ ما لم تخرج عن صمتك .و تعلن احتجاجك من أجله ، فإنك مدان و شريك بمحنته ، ولا ريب في ذلك .
***
أنا شخصياً .. رغم إدعائي بأني داعية حقوق وصحفي شريف ، لكني لا أعتقد كوني سأكون ناشطاً إلى حد التضحية ، بتحمل نزوات العالم المريضة . من أجل جملة عوامل مهدت إلى مشكلتك هذه .
أنا لست مقتنعاً باني سأربح القضية .. كما أصطحبك معي عبر أدوات وسائل الإعلام ، لعرض قضيتك في كل بقاع الكرة الأرضية ، وأطلب من منظمات حقوق الإنسان أن تناصرني ونذهب هناك إلى حيث دول حقوق الإنسان ونطالب بتعويضك عما افتقدته . إذا افترضنا أنها قضيتك لوحدك ، ومن ثم كقضية أخلاقية عالمية . ومن قبل مجيئي إلى هنا وحتى من بعدها .. فإني متأكد و مقتنع تماماً أن لا قدرة لكي يقوم العالم المتحضر بواجبه تجاه هكذا قضية .
لكن.. قد يسأل الضمير العالمي :
ــ ما هو التعويض المطلوب ؟؟؟؟
لكني أمامك يا جاسم ، و على مدى استطاعتي .. سأقول لذلك الضمير:
ــ إن القضية :هي أكبر من كل مساحة آذان و بصر و قدرة العالم .الذي لم تبخل عليه الفضائيات ، لكي يكون بوسعه أن يشاهد ما جرى لك ، ومن ثم ما يجري لهذا البلد ، حيث يكتسحه الدمار العاصف من أدناه إلى أقصاه ، دون أن يمتلك مركز اتخاذ القرار بإرادته هو .
وإني حينما أصطحبك يا جاسم إلى عالم صنع القرار ، فأقول بكل أسف :
ــ ستضعف قضيتك و تتحول إلى هزأة ، إلى مظهر غير مألوف فحسب ، مظهر.. يمكن أن يكون صالحاً للتسلية .
الضميرالعالمي الآن يا جاسم يحتاج إلى عقل ملتزم . بينما واقع الحال هو غير ذلك تماماً. ستتحمل أنت لوحدك ــ سواء أردت أم رفضت ــ مردودات قضيتك المحبطة ، إلى إخفاء معالمها التي هي أكبر مما يتصوره المرء.
هل المتضررون لا يعرفون حقيقة الأمر ؟ وأرجو أن لا أُفاجئ أحداً لو قلت : أن (إله الحرب) هناك ، بكل تشفّ ، يمارس هوايته ، من ابتكاراته ، من إبداعــاته فيـــما يـذهب الرشد.
يمكن الاستئناس بخطب الكنائس ، الداعية للسلام والمحبة ، ويدعون لخلاص العالم من الإثم والكراهية .
ويمكن أن نستمع لخمس مرات في كل يوم ، من يكبّر في المساجد ، ويدعو للمحبة والخير .
ويمكن أن نستمع في التوراة لمثل ما يشبه ذلك .والمعتقدات الأخرى . ودعاة حقوق الإنسان والحيوان بل وحتى الحشرات ، وكلنا نتذكر: كيف أقاموا الدنيا ولم تقعد من أجل امتحان إبقاء الكلبة (لايكا) (5)على قيد الحياة .
ولكني .. حتى هذا اليوم لم أُشاهد الضمير العالمي ، يتظاهر احتجاجاً: عمن هو المسئول عن محنتك يا جاسم .
أعذرني يا عزيزي لأني قصير اليد حتى أدعو لمعالجة موضوعك ، وأعتذر لأني لم أُقدم لك من حل سوى ذكر المعوقات المحبطة ، وسأختصر ....
فقد تحول موضوعك إلى حالة مطروحة على ارض الواقع . وعلى ضمير العالم أن يتقبلها دون مناقشة . لكن.. لا ينبغي أن تهمل محاسبة المسبب . والواقفين وراءه.
لكني ــ لكي أنصرك ــ أقول للضمير العالمي :
ــ إذا بقيت على صمتك ، فإن وسائل الإعلام ، وألوانها الخادعة ستتلاعب بمزاجك الذي عاثت فيه قوى الظلام تشويهاً وتضليلاً ، فبالتأكيد ستتواصل الكارثة .
أعذرني من تكرار اعتدادي بمثلي العليا ، فأنا كل ما أستطيع أن أُقدمه إليك هو هذا :
ـ أنا هيّأت الذي أقدر عليه . سيطّلع الضمير العالمي على صلب هذه التهمة التي أوجهها له ، اللائذ بالصمت . عن ماضيك وحاضرك . أقدمها على يد وبجهد إنسان أمين ، وقدّمت وأُقدّم صورتك القديمة والحديثة .. وسيكون هذا الضمير ، على بينة من الأمر . على بينة من الفارق الكبير . حتى لو تطلب ذلك حياتي و مستقبل عائلتي .
و سأصر على أنك لا ترضى بديلاً بغير الحل المنصف وهو :
ــ أن تعود على ما كنت عليه قبل انمساخك . برأس و جسد سليم بالكامل . لكي تقرر أنت بنفسك : تؤيد أو ترفض كل الأمور التي وجدت نفسك أسير إرادتها .
لا تنازل عن ذلك قطعاً . فهو الذي سيمنحك الحرية لكي تقرر بإرادتك المطالبة بالتعويض عن اقحامك بعملية مسخ قاسية لا ناقة لك فيها و لا جمل .
و أخيرا : لاستحالة تحقيق ذلك .. سأتجرأ وأقول :
ـ إن مثل حالتك هذه .... ينبغي أن تعرض على محكّم عادل ، منصف و شريف . لم يتغير رأيه منذ تاريخ الخليقة ، عن قول الحقيقة بكاملها . وأعني بذلك هو : ( المنطق) . والمنطق بالتأكيد سيرفض مشروعية حالتك هذه التي انت فيها رفضاً قاطعاً.
ثم التفت ليخاطب المشاهدين :
- وأخيراً أُؤكد لكم أنتم الذين تشاهدونه من اصقاع العالم : أن جاسم بكل إصرار يمكن أن يكون هو القضية بكاملها.
هو .. ما يمكن أن نسميه القلب الذي استوطن بين أضلع وطن السواد. لِلا مشروعية الأحداث الدامية المثيرة للهلع و الاستحواذ و الاغتصاب و الإبادة الجماعية و مسخ الصورة التي صنعها الله . وبموجب هذا المنطق سأنتصر إليك قدر ما أستطيع...
خَفت الكاميرا لتغور في حدقتي الأم سابرة عمقاً حالكاً لبحرعميق طافح بالهزيمة والحيف.
يتبع
* * *

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق