رواية
( الياقوتة السوداء )
موسى غافل الشطري
المقطع الثاني
في تلك المدينة المتألقة ، و وسط ظلام الكوخ الوضيع ، ولدت ( سْعيده ) بنت حوّاس و أُمها فدعه .
عندما أشرقت الشمس ، كانت الريح التي كثفت جهدها لكي تغطي على هذه الولادة و ضجيج بكاء المولود ، كانت هذه الريح قد حطّت رحالها و هدأت كأنها تستسلم أمام أحقية الحياة لولادة هذا المخلوق . و كانت العصافير ، من فوق الكوخ و حوله ، قد نشطت بإطلاق زقزقتها ، ، مثل أي يوم آخر ، و بدأت فدعه تجهد نفسها لكي تتمعن بملامح طفلتها . و كان جدير بها أن تغلي للوليدة الكزبرة و الكمون و اليانسون و الجويفة، لكي تتناوله الطفلة ، قبل أن تبدأ برضاعتها .
توالت زيارات العديد من معارف الأم اللواتي تتواصل معهن ، حاملات معهن كل ما تحتاج من الطعام و من قطع القماش التي يتوجب أن توفــرها لتقميط الوليد ، واستخدامها للحاجيات التي يحتاجها الطفل .
مثل هذه .. من العسير أن تتوفر من تلقاء ذاتها ، أو شرائها ، بل تأملت أن يتحسس الجيران من النسوة و يوفرن لها ما هي بحاجة إليه . وقد حصلت على بغيتها ، بــل و أكثر من ذلك إنها تحصل على ثياب أطفال ، بعضها بحالة جيدة . وفي ظل هذه الولادة التي زادت الأم قناعة ، بأنها مباركة . فقد تحسن غذاء الأم . وكثرت زيارات المحبات . و تجرّأت الأم أن تتوفر لديها القناعة : بأن ولادتها لا تبدو شاذة عن الولادات الأخرى . إنما حالها حال إنجاب متكافئ مع نسوة العائلات الفقيرة و حتى الغنية .
بل تجرأت ( فدعه ) أن تقنع نفسها : بأن وليدتها حظيت برعاية واهتمام و عطاء . بما تَوَفّرَ لها كل ذي أهمية لمثيلاتها من الملابس .
كانت فدعة أشبه بماعز غزيرة الحليب . و لأجل ذلك لم تواجهها مصاعب تنغص عليها تبعات ولادتها .
و حتى الطفلة ، بدت كأنها على مقدرة غير اعتيادية لتلافي الحالات المرضية . و بدت بشعرها القصير ، ما يوحي للأم : بأنه سينمو و يسترسل . و ربما ستكون ذات بشرة شفافة ، وعيون لامعة متأملة .
و تعوّدت الأم ، مع تقدّمْ عمر الطفلة ، وتجاوزها مرحلة الأربعين يوماً ، أن تنتهز الفرصة المناسبة لتدلل طفلتها ، حيث تضع حلمة ثديها بين شفتيها فتتلقفه بشراهة ، و تذهب عيناها بانصراف كامل إلى وجه أمها ، فتبتسم فدعه و تتُلَقّفها بين يديها إلى الأعلى وتشم رائحة خديها ، ثم تقول بكل سعادة :
ـ خد سعده .. ريحته ، مثل المسك .
و تردد بحماس : -
( ْبنيه او فوكه بنية اْو للكعدة بلاش
وحده تكنس الحوش اْو وحده تفرش فراش)
تُنغِّم لــها بالأغاني بصوتها العــذب ، تماماً كما تفعل الأمهات الأخريات مع أطفالهن ، من ذوات الأصل و الفصل .
في مرور الأيام يزداد صوت الأم ، وضوحاً أكثر ، تحدياً لشعورها الذي كان سائداً من قبل ، بأنها تُقلل من أحقيتها أن تناغي لطفلةٍ سوداء ، عذبة الملامح و بصوت واضح المعالم و الكلمات :
(سعده يا حلاها گصايبها وراها
إجا الخطاب يخطبها وبوها ما عطاها)
و تُردد وهي تناغي طفلتها :
ـ ( و الله حلوه ) و دَعْ من تظن أنني أبالغ . وأنني قلت ما لا يحق لي قوله ، أو أني أسرفت في اِّدِّعائي .
لذلك رددت تلك الأغنية في البداية بصوت خافت ، كأنها تغتصبه من غيرها بدون حق . وأنها تبالغ في أن تمتلك طفلتها في المستقبل ضفائر كغيرها من ذوات البشرة البيضاء . تُكرر ذلك عدة مرّات و تُطبقها على قلبها . وتُقبّلها . ما الذي يعوز (سْعيده ) ؟
كل ما صنعه الرب للأطفال المولودين منحه لها . لم ينقصها من الأعضاء الخفية و الظاهرة أي شيء .
( فدعه) وهي تناول ثديها لطفلتها ، لا تحس بامتياز لأي طفل عليهاً : إلاّ بلون البشرة . ولماذا تبدو بشرتها شاذة ؟ الست هذه الحياة زاخرة بأمثالها ؟
مسكتها مرة أُخرى كما لو أنها تريد قذفها إلى الأعلى ، فتردد كأنها تتمنى أن تعتاد الأُخريات على مساواة ابنتها مع غيرها :
( رَبْها ما ظلمْــــــها اْعطاها تَرس صمْها
حَطّ لْها مثل البْنيات وِبْثوبها حِشــــَـمْها )
تمضي الشهور وتعتق ولادة سْعيده ، مثل أي حدث من الأحداث الاعتيادية . ويقل العطاء الذي يأتيها تدريجياً . حينذاك .. كان يتطلب من فدعه أن تقوم بعد نهاية الأربعين يوماً، وتعود إلى طرق الأبواب . ليس باعتبارها متسوّلة بل عزيزة نفس . لها من يترقب قدومها . مرحّب بها من البيوت التي اعتادت أن تحصل على عطاياهم .
أن فدعةً ما كانت في يوم ما تَمِدُ يدها كمتسوّلة . بل حالها حال المحتشمات ، رغم سوادها . رغم فقرها المدقع . لكنها حافظت على سقف مرتفع من حشمة النفس . من طرافة الكلمة و النكتة الجاهزة .هي يمكن أن يقال : عزيزة النفس و أَذَلّتْها الحاجة و ليس سواها .
حتى النسوة اللواتي تغشي بيوتهن يتعجبن لصمت الطفلة . فهي لا تميل للبكاء. كما لو أنها تتهيّأ لِتَتحَمّل أعباء حياة متعبة .
* * *
لم يكن الأب بحاجة إلى ما تبعثه ( اللمبة ) من بصيص ضوء بالكاد تهتدي ( فدعه ) بضوئه . في حين كان حوّاس يمد أصابعه المتهيّبة ، ليلمس جسد الصغيرة ويظل رافعاً رأسه إلى سقف الكوخ كما لو كان ينصت لوحي ما و هو يبتسم . كأنه يضِّيق من ابتسامته ليزيد مساحة انتباهه ، و ليحصل على إجابة واضحة من الأم :
ـ سْعيدة حلوة ؟
و يخيب سؤاله فلا جواب ، و يظل دائباً على عزفه بأنامله على ركبتيه . إنه لا يسأل عن شكل بشرتها فهو يقر بكل قناعة لونها الذي ينتمي إلى فصيلتهما . لكنه يعتقد أن فصيلته لا بد لها من لون مقبول . و قدرة تتجاوز قدرة الآخرين لتأمين الرزق . و كان الأحرى أن يكون الوليد ذكراً ، حتى يكون بمستطاعه أن يكسب رزقه بجدارة . إن الله ، وهذا ما يعتقد فيه الأب ،حسب تجربته ، قد منح لهذا الجنس الأسود قدرة قد لا تتوفر لغيرهم لكسب الرزق . فهم لا يتأففون من أمر . و أكثر قدرة من غيرهم على التسامح . على القناعة أنهم سود البشرة . خلقوا ليخدموا بصمت ، و دون إحساس بالمهانة . و دون احتجاج . و طالما يتحملون ، عن طيب خاطر ، ما تأتيهم من أوامر قاسية جارحة ، ألتي هي أقل وطأة على غيرهم بالشعور : كون ما وجِّه لهم أمر مهين . و أسف في أعماقه ، على أن الوليد أُنثى ، غير كاملة القدرة على التحمل كالذكر الذي سيتجاوز الكثير مما لا تصلح له الأنثى . لكن ستتحمل الأوامر الصعبة ، إن كانت بصحة جيدة ، و ليس أمامها غير هذا الطريق .
و سوف تنشأ ( سْعيده ) على نفس اللبن الذي ترضعه فصيلتهم السوداء ، المنذور للأوامر و الإجابة دون نقاش . ونفس الطعام الذي يمن عليهما فيه الناس .
ـ لَحْمَتْها قوية .. ها فدعة ؟
غير أن الأم منغمرة بتقميطها كأنها لا تجد ما يمكن أن تجيبه عليه .
ـ أنا أطلب من ربي أن تكون بصحة زينه حتى تعيش قوية . القوة تحتاجها .
فرددت الأم كأنها تشاكسه و تغيظه بعدم إجابتها على استفساره ، موحية له على أن ابنته ، كما يتوقع في ذاته ، وراءها ما يتعبها من شدائد و عُسْرِ حال :
( سعدة يا حلاها مصايبه وراها
إجا الشرّاي يشريها وبوها ماعطاها )
يتبع
* * *

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق