أصل الحكاية
علم /ع.ل.م/
في آخر منشور لي، كان أحد الأصدقاء قد أنكر علي أن جعلت رتبة العلماء - حالة تبليغهم العلم - بمثابة رتبة الأنبياء - حالة تبليغهم الرسالة - !! و قال متسائلا: و كيف أفعل ذلك، حتى دون تمييز بين علماء دنيا و دين ؟!!
قلت: عدم تبلور معنى العلم و العلماء في معهوداتنا الثقافية هو الذي دفع صديقي إلى هذا التساؤل.
أيها الأحباب:
إنه من قبيل المشاكلة أن نطلق على أصحاب الاختراعات و الاكتشافات و رجال البحث و الدراسة أسم " علماء " ؛ ذلك أن أعمال هؤلاء جميعا تنسب إلى المعرفة و ليس إلى العلم، على إعتبار أن المعرفة تعنى بدراسة مكونات الأشياء و خصائصها و كيفية تطويرها و تطويعها و الاستفادة منها، و أن العلم يعنى بتفسير "الحركة" من حيث دوافعها و منشأها و آلية قيامها و الباعث عليها.
هذا يعني أن القوانين و الدساتير و النظريات التي يصوغها الإنسان و يبرمج على أساس منها منطقه في التعامل مع الأشياء، ليست علما، بل هي من المعرفة.
فعلم الإنسان لا يكون من طريق صياغة و صناعة و تشكيل و تقعيد و تقنين و فلسفة و تأصيل و ترجيح و تفضيل و إلهام و رؤى و فكر و منطق و تقرير، فهذه كلها قد تصح النتائج فيها أو لا تصح، و هذه كلها تنجم عن دراسة الأشياء و معرفة خصائصها و قوامها و ماهيتها و مكوناتها.
لكن علم الإنسان قوامه: إخبار و إنباء عن مجريات حركة الأشياء، و ذلك بدءا من لحظة قيامها، مرورا بمسارها و انتهاءا بآلية توقفها.
فالعلم إذن لا يكون ببحث و دراسة و تدوين لملاحظات و بيانات، و من ثم تقعيد و تقنين و تطوير، بل العلم هو: الخبر الصحيح السوي الدقيق لما قد كان، و لما هو كائن، و لما يمكن له أن يكون؛ فهذا الخبر قد صيغ بطريقة لا تقبل تبديلا ولا تحويلا
و إذن أصل الحكاية أن الله تعالى إذ علم آدم الأسماء كلها لم يعلمه إياها ببحث و دراسة و ملاحظة و تجربة و قراءة للمعطيات، بل: علم الله تعالى آدم الأسماء كلها دفعة واحدة و ذلك بأن بثها في ذاكرته
و أصل الحكاية أن القرآن الكريم أطلق نعت "علماء" على رجال أدركوا بيقين كيف أن الله تعالى أقام الوجود بما شاء و كيف شاء و أنى شاء .. ( أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ) [الشعراء197] .. على أن علماء بني إسرائيل أدركوا بيقين من خلال الخبر الذي ورد في كتبهم أن الله تعالى سيبعث نبيا اسمه "محمد"
و باختصار شديد فإن العلم قوامه "الخبر و النبأ" الذي يحكي قصة حركة الأشياء و ما ينجم عن تلك الحركة من أحداث تؤثر في حياة الإنسان و تكون تلك الحركة مقدرة بقدر و مقدار و تقدير معلوم.
و على هذا فأيما امرئ يحمل و ينقل خبرا صادقا عن كيفية مضي حركة الأشياء في الوجود فهو إذن "عالم"
و بذلك يشترك الأنبياء و العلماء في المرتبة من حيث نقل و تبليغ الخبر الصادق، و هم في عملهم ذاك لا يمارون ولا يستهزئون
- و كتب: يحيى محمد سمونة -
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق