رواية .. ( ملح السّراب )
الفصل ( الثامن )
الكاتب : مصطفى الحاج حسين .
إنتشر الخبر وتسرّب بين الأولاد في كلّ
أزقّة البلدة ، والكل صار يعلم أنّ المدعو ( زكور
الصّخلة ) الملقّب بأبي ( درخوش ) وهو صاحب
حمير ( التّشباية ) التي يقودها صباح كلّ يوم أحد ،
من أيّام الرّبيع ، إلى البازار ليتكسّبَ بها بضعة
نقود .
حيثُ كانَ الأولاد يتجمّعونَ ، ومنهم من
يهرب من المدرسة ، بدافع الفضول والرٌغبة
في رؤية عمليّة ( التٌشباية ) شاعرينَ
بالمتعة والإثارة ، مشدوهين ، مسلوبي
الأبصار ، ضاحكين ومهتاجين .
وكان أبو ( درخوش ) المعتاد على
القيام بهذه العمليّة ، منهمكاً بها إلى درجة
الانفعال ، يسحب الحمارة التي ستحبل
اعتباراً من هذا اليوم ، ويتركُ حماره الضّخم
يقترب من الحمارة ، بضعة دقائق يتشمّمها
حتّى يثار ويهتاج ، فيقترب منهما أبو
( درخوش ) ويهمس بأذن حماره ، كلمة
( زقردو ) فيقفز الحمار ، ويعتلي بقوائمه
ظهر الحمارة ، آخذاً بعضّها من ظهرها ، في
تلك اللحظة ينتبه أبو ( درخوش ) لوجود
الأطفال وهم مثارون ومهتاجون ويصرخون
ويصفّرون ، فيصرخ بهم غاضباً :
- إذهبوا من هنا يا أولاد ( القحبة ) والله يا
( عرصات ) لو أمسكتُ واحداً منكم بيدي
لتركت الحمار يفعل به ، مايفعله مع هذه
الحمارة .
ويتابع كلامه وهو أكثر هياجاً حين يرى
قهقهات الصّغار الخبيثة :
- إذهبوا ، تفرّجوا على آبائكم وأمٌهاتكم .
ثمّ يردف قائلاً جملته المعروفة :
- ( جيل بندوق ) .
بعد ذلك يخرج من جيب ( شرواله )
الأسود ، علبة دخانه الصّدئة ، ويبدأ بدرج
سيكارته الغليظة ، متناسياً أنّه قبل قليل ،
أمسكَ بيديه عضو حماره ليضمّه في
الحمارة .
ولكن الجديد في الأمر ، هو الخبر
السّار الذي إنتشر مؤخّراً ، ومفاده أنّ أبا
( درخوش ) قد افتتح فرعاً خاصّاً ، من أجل
تقديم المتّعة للأولاد . يأخذ من الولد ربع
ليرة مقابل أن يسمح له بالإختلاء ( بالكرٌة )
الزّرقاء التي اشتراها لأجل هذا .
قرر ( رضوان ) وابن عمّه ( سامح )
وبعض رفاقهم من أولاد الحارة ، الذهاب
إلى دار أبي ( درخوش ) ، وكان عددهم
عشرة حينما طرقوا بابه . خرج عليهم ( أبو
درخوش ) وكان مبتسماً ، وكانت هذه أوّل
ابتسامة يروها له ، قال مرحّباً :
- أهلاً وسهلاً بالشباب ، تفضّلوا .
ولمّا كان الحياء يمنع الأولاد من الكلام ،
لتوضيح سبب مجيئهم ، لكن أبا
( درخوش ) عرف ذلك فقال بعجلة :
- أدخلوا ، لا يجوز أن يراكم أحد واقفين
هكذا .
دخل الأولاد وهم في أشدّ أنواع الحرج
والإرتباك ، صاروا وسط باحة الدار الخربة ،
وأخذوا باشعال السّجائر ليواروا خجلهم
واضطرابهم ، عاد أبو ( درخوش ) بعد أن
مدّ رأسه داخل الغرفة ، وتكلّم بضع كلمات
مع ( حليمة ) زوجته التي تتردّد حولها
شائعات تقول بأنّ زوجها أبو ( درخوش )
يسمح للرجال بالنٌوم معها مقابل عدّة
ليرات ، متّخذاً الغرفة الوحيدة مقرّاً لذلك ،
بينما يتمشّى هو في باحة الدّار .
قال أبو ( درخوش ) موجّهاً كلامه
للصبٌية :
- حظّكم جيّد ، منذ قليل انتهيت من تغسيل
العروس .
تشجّع ( عثمان ) وهو يكبر رفاقه
بالسٌن ، فقال :
- نحنُ يا أبا ( محمود ) ..
هكذا كانوا ينادونه في حضوره ، لأنٌ لقبه
يطلق عليه في غيابه ، لكنّ بالطّبع كان
يعرف هذا اللقب .
- نريد أن نعرف كم ستأخذ منّا ، مقابل أن
تتركنا مع العروسة ؟
كتم أبو ( درخوش ) ابتسامته ، وقطّب
وجهه القبيح متّخذاً طابع الجّد والتفكير ،
رفع يده وأخذ بأصابعه المثقلة بالخواتم
الحديدية ، يفتّل ( شواربه ) الغليظة
كسيكارته ، وقال :
- سآخذ ربع ليرة فقط من كلّ واحد منكم .
قاطعه ( عثمان ) وقد زال عنه حياؤه
واضطرابه :
- ياأبا ( محمود ) ، نحن كثرة ، نريد أن نتّفق
معك على الجّملة ، والجّملة غير المفرّق .
عادت الابتسامة المصحوبة بالزّبد
واللعاب ، ترتسم على فمه الواسع التّكشيرة
والمرصّع بأسنانٍ ذهبيّة متفرّقة :
- أنتم معذورون ، لأنّكم لا تعرفون العروس ،
لكن أقسم لكم بشرفي الذي لا أملك غيره ،
وليس لكم عليّ يمين .. بأنَّ هذه العروس
الزّرقاء لا مثيل لها ، فهي من تركيا أصيلة ،
ذات حسب ونسب ، جميلة وصغيرة ، لا
تغدر ولا تقاوم وهذا شيء تحمد عليه ، ولا
تهرب من فارسها ،وهذه ميّزة حسنة وهي
لا تنزعج من الإقتراب منها ، وهذه عادة
رائعة ومن النادر توافرها في غيرها ، إنّها
لطيفة وحسنة المعشر ، ولا تصدر صوتاً أو
نهيقاً .. وهي نظيفة حيث أغسلها بالماء
والصابون ، وأقوم بتعطيرها ، فرائحتها
طيبة ، والأهم من كلّ ذلك ، وأقسم لكم
بشرفي الغالي أنّني لا أطعمها غير الشّعير
النظيف والغالي الثمن ، وأنتم تعرفون كم
سعر الكيلو غرام منه ، إنّها تكلفني الكثير ،
بغضّ النظر عن تعبي واهتمامي الدّائمين ،
هل تعلمون أنّني لم أضعها مع زملائها
الحمير خوفاً عليها منهم ، فهي جميلة وصغيرة
، ولقد اختلفت مع زوجتي ( أم محمود ) بسببها ،
لأنّني الغيت المطبخ ، وخصّصته لها ، وصرنا نطبخ
في غرفتنا الوحيدة ، لكي أضعها في بمفردها ،
ليأخذ الزّبون راحته معها .. هل كثير بعد كلّ هذا
مبلغ الربع ليرة ؟ .
قال ( عثمان ) بأعصاب باردة :
- ونحن يا أبا ( محمود ) لن ندفع لك سوى
( فرنكين ) على الواحد منّا .
أرادَ أبو ( دَرخُوش ) أن يتكلّم ، لكنّه توقّف
بعد أن نظر إلى الأولاد بعينيهِ المعمصتينِ
نظرة توحي باللومِ والعتابِ ، واتّجهَ نحو
الزّريبةَ الخاصّةَ بالعروس :
- تفضلوا .. القوا نظرة عليها ، قسماً بشرفي ،
والشّرف غالي كما تعرفون .. منذ يومين
حمّمتها ( بالكالونيا ) .
إمتطّت أعناقَ الفتية الصغار ، واندسّت
رؤوسهم من خلال الباب الموارب ، ناظرينَ
إلى ( العروس ) الواقفة بكلَّ استكانة ،كانت
بحجم النّعجةِ ، ولمحوا في جسدها وقوائمها
بعض الجّروح المدّماة ، والذباب يتطاير
فوقها بكثرة ، كانت مربوطة بالرَّسن
وقوائمها الأربع موثقة بحبلٍ متينٍ وغليظٍ ،
بينما كان رأسها الكبير مزيّناً بباقة وردٍ
حمراء اللون ، جافة الأوراق ، أمّا عيناها
الواسعتان ، فقد غطّاهما الدّمع والوسخ
الأصفر :
- انظروا بأنفسكم ، واحكموا .. بذمّتكم ألا
تستحقّ الرّبع ليرة ؟! .
كرّر ( عثمان ) موقفه الذي بدأ يضايق
الأولاد جدّاً ، فهم على عجلة من أمرهم :
- ( فرنكين ) فقط يا أبا ( محمود ) .. وإلّا
دعنا نخرج .
حينما أدرك أبو ( درخوش ) ثبات موقف
الأولاد .. أجاب :
- على بركة الله .. إتّفقنا .. هاتوا النقود
سلفاً .
أخرج كلّ من الأولاد ( فرنكين ) أصفرين
من جيوبهم ، وسلّموا جميعهم النقود لأبي
( درخوش ) الذي قال :
- تفضّلوا .. ولكن بالدّور طبعاً ، و بسرعة.
دخل ( عثمان ) الزّريبة في البداية ، وأغلق
الباب الخشبي خلفه . ووقف الجّميع في
باحة الدار يدخّنون وينتظرون ، يسيطر
عليهم الخوف والإضطراب والقلق ، بينما
أسند أبو ( درخوش ) ظهره إلى الحائط ،
منهمكاً بدرج سيكارته .
كان ( رضوان ) آخر من دخل على
( العروس ) ، وكان كثير من الحيرة وغير
قليل من الإرتباك يسيطران عليه ويضغطان
على أعصابه . فكَّ أزرار البنطال ، أنزله إلى
الركبتين ، إعتلى الحجر ، وقف بشكل
مناسب تماماً .
كانت ( سمر ) الشّقراء في مخيّلته ،
( سمر ) الرائعة الجمال ، زوجة رئيس
المخفر ( أبي ضرغام ) الذي يخافه جميع
أهل البلدة ، بمن فيهم والده ، الذي وقع
تحت رحمة سوطه مدّة ثلاثة أيام ، بحجّة
تعاطيه الحشيش ، ولم يفرج عنه ، إلّا بعد
أن أخذ منه مئتي ليرة رشوة ، وإذا كان أبو
( ضرغام ) مكروهاً من قبل أهل البلدة ، فإنَّ
حبهم جميعاً كان منصبّاً على زوجته الشّقراء
( سمر ) ، كانوا يحبونها إلى درجة العشق ،
فهي الوحيدة التي تخرج إلى الحارات
سافرة دون ملاية سوداء ، متبرّجة معطّرة ،
ولطالما وقف ( رضوان ) أمام باب بيتها الذي
لا يغلق ، ليراقب حركات جسدها اللدن ،
الذي لا يفارق خياله .
بينما كان ( رضوان ) سارحاً بخياله ،
فاجأته ( العروس ) بنهيقها العالي ، فجفل
وانسحب بسرعة ، وخرج ملوثاً ، وهو في
أشدّ حالات الضّيق ، فأخذ ( سامح ) ورفاقه
يضحكون منه بصخب ، حتى خيّل له أنَّ
السّماء والجّدران الحوّارية المتهالكة
تشاركهم قهقهاتهم تلك ، ومنذ ذلك اليوم ،
ورفاقه يضحكون منه كلّما صادفوه ، وقد
أطلقوا عليه لقب ( العريس ) .
لكن ماحدث بعد ذلك ، شيء فظيع ، فبعد
أيام بدأ ( رضوان ) يشعر بالحكّة ، وأخذت
تتزايد ، ثم برزت بثور ناعمة صفراء ،
إنتشرت سريعاً ، حتى إكتشف،أهله الأمر .
مصطفى الحاج حسين .
يتبعها الفصل ( التاسع )
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق